درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۶۵: مباحث حجت ۴۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

٣. أن يتنافى مدلولاهما ـ ولو عرضا وفي بعض النواحي ـ ليحصل التكاذب بينهما ، سواء كان التنافي في مدلولهما المطابقيّ ، أو التضمّنيّ ، أو الالتزاميّ.

والجامع في ذلك أن يؤدّيا إلى ما لا يمكن تشريعه ، ويمتنع جعله في نفس الأمر ، ولو كان هذا الامتناع لأمر خارج عن نفس مدلولهما ، كما في تعارض دليل وجوب صلاة الجمعة مع دليل وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة ؛ فإنّ الدليلين في نفسهما لا تكاذب بينهما ؛ إذ لا يمتنع اجتماع وجوب صلاتين في وقت واحد ، ولكن لمّا علم من دليل خارج أنّه لا تجب إلاّ صلاة واحدة في الوقت الواحد فإنّهما يتكاذبان حينئذ بضميمة هذا الدليل الثالث الخارج عنهما.

وعلى هذا ، فيمكن تحديد الضابط للتعارض بأن يقال : «الضابط في التعارض : امتناع اجتماع مدلوليهما في الوعاء المناسب لهما ، إمّا من ناحية تكوينيّة ، أو من ناحية تشريعيّة».

أو يقال بعبارة جامعة : «الضابط في التعارض ، تكاذب الدليلين على وجه يمتنع اجتماع صدق أحدهما مع صدق الآخر».

ومن هنا يعلم أنّ التعارض ليس وصفا للمدلولين ـ كما قيل ـ (١) ، بل المدلولان يوصفان بأنّهما متنافيان ، لا متعارضان. وإنّما التعارض وصف للدليلين بما هما دليلان على أمرين متنافيين لا يجتمعان ؛ لأنّ امتناع صدق الدليلين معا ، وتكاذبهما إنّما ينشأ من تنافي المدلولين ؛ ولأجل هذا قال صاحب الكفاية : «التعارض هو تنافي الدليلين أو الأدلّة بحسب الدلالة ومقام الإثبات». (٢) فحصر التعارض في مقام الإثبات ، ومرحلة الدلالة.

٤. أن يكون كلّ من الدليلين واجدا لشرائط الحجّيّة ، بمعنى أنّ كلاّ منهما ـ لو خلّي ونفسه ، ولم يحصل ما يعارضه ـ لكان حجّة يجب العمل بموجبه ، وإن كان أحدهما ـ لا على التعيين ـ بمجرّد التعارض يسقط عن الحجّيّة بالفعل.

والسرّ في ذلك واضح ؛ فإنّه لو كان أحدهما غير واجد لشرائط الحجّيّة في نفسه

__________________

(١) والقائل الشيخ الأنصاريّ ، تبعا للسيد عميد الدين في منية اللبيب والمحقّق القمّي في القوانين. فرائد الأصول ٢ : ٧٥٠ ؛ منية اللبيب (مخطوط) : ١٦٩ ؛ قوانين الأصول ٢ : ٢٦٧.

(٢) كفاية الأصول : ٤٩٦.

لا يصلح أن يكون مكذّبا لما هو حجّة ، وإن كان منافيا له في مدلوله فلا يكون معارضا له ، لما قلنا من أنّ التعارض وصف للدالّين بما هما دالاّن في مقام الإثبات ، وإذ لا إثبات فيما هو غير حجّة فلا يكذّب ما فيه الإثبات ؛ إذن ، لا تعارض بين الحجّة واللاحجّة ، كما لا تعارض بين اللاحجّتين.

ومن هنا يتّضح أنّه لو كان هناك خبر ـ مثلا ـ غير واجد لشرائط الحجّيّة ، واشتبه بما هو واجد لها ، فإنّ الخبرين لا يدخلان في باب التعارض ، فلا تجري عليهما أحكامه وقواعده ، وإن كان من جهة العلم بكذب أحدهما حالهما حال المتعارضين. نعم ، في مثل هذين الخبرين تجري قواعد العلم الإجماليّ.

٥. ألاّ يكون الدليلان متزاحمين ؛ فإنّ للتعارض قواعد غير قواعد التزاحم على ما يأتي ، (١) وإن كان المتعارضان يشتركان مع المتزاحمين في جهة واحدة ، وهي امتناع اجتماع الحكمين في التحقّق في موردهما ، ولكنّ الفرق في جهة الامتناع ، فإنّه في التعارض من جهة التشريع ، فيتكاذب الدليلان ، وفي التزاحم من جهة الامتثال ، فلا يتكاذبان. ولا بدّ من إفراد بحث مستقلّ في بيان الفرق ، كما سيأتي. (٢)

٦. ألاّ يكون أحد الدليلين حاكما على الآخر.

٧. ألاّ يكون أحدهما واردا على الآخر.

وسيأتي أنّ الحكومة والورود يرفعان التعارض والتكاذب بين الدليلين. (٣) ولا بدّ من إفراد بحث عنهما أيضا ، فإنّه أمر أساسيّ في تحقيق التعارض وفهمه.

٣. الفرق بين التعارض والتزاحم

تقدّم (٤) بيان الحقّ الذي ينبغي أن يعوّل عليه في سرّ التفرقة بين بابي التعارض والتزاحم ، ثمّ بينهما ، وبين باب اجتماع الأمر والنهي.

__________________

(١ و ٢) يأتي في المبحث الآتي.

(٣) يأتي في الصفحة : ٥٥٣ وما بعدها.

(٤) تقدّم في المقصد الثاني : ٣٢٧ ـ ٣٣٢.

وخلاصته أنّ التعارض ـ في خصوص مورد العامّين من وجه ـ إنّما يحصل حيث تكون لكلّ منهما دلالة التزاميّة على نفي حكم الآخر في مورد الاجتماع بينهما ، فيتكاذبان من هذه الجهة. وأمّا : إذا لم يكن للعامّين من وجه مثل هذه الدلالة الالتزاميّة فلا تعارض بينهما ، إذ لا تكاذب بينهما في مقام الجعل والتشريع.

وحينئذ ـ أي حينما يفقدان تلك الدلالة الالتزاميّة ـ لو امتنع على المكلّف أن يجمع بينهما في الامتثال لأيّ سبب من الأسباب ، فإنّ الأمر في مقام الامتثال يدور بينهما ، بأن يمتثل إمّا هذا أو ذاك. وهنا يقع التزاحم بين الحكمين ، وطبعا إنّما يفرض ذلك فيما إذا كان الحكمان إلزاميّين.

ومن أجل هذا قلنا ـ في الشرط الخامس من شروط التعارض ـ : «إنّ امتناع اجتماع الحكمين في التحقّق إذا كان في مقام التشريع دخل الدليلان في باب التعارض ؛ لأنّهما حينئذ يتكاذبان. أمّا إذا كان الامتناع في مقام الامتثال دخلا في باب التزاحم ؛ إذ لا تكاذب حينئذ بين الدليلين».

وهذا هو الفرق الحقيقيّ بين باب التعارض وباب التزاحم في أيّ مورد يفرض ؛ وينبغي ألاّ يغيب عن بال الطالب أنّه حينما ذكرنا العامّين من وجه فقط في مقام التفرقة بين البابين ـ كما تقدّم في الجزء الثاني (١) ـ لم نذكره لأجل اختصاص البابين بالعامّين من وجه ، بل لأنّ العامّين من وجه موضع شبهة عدم التفرقة بين البابين ثمّ بينهما وبين باب اجتماع الأمر والنهي. وقد سبق تفصيل ذلك هناك ، فراجع.

وعليه ، فالضابط في التفرقة بين البابين ـ كما أشرنا إليه أكثر من مرّة ـ هو أنّ الدليلين يكونان متعارضين إذا تكاذبا في مقام التشريع ، ويكونان متزاحمين إذا امتنع الجمع بينهما في مقام الامتثال مع عدم التكاذب في مقام التشريع.

وفي تعارض الأدلّة قواعد للترجيح ستأتي ، وقد عقد هذا الباب لأجلها ، وينحصر الترجيح فيها بقوّة السند أو الدلالة.

وأمّا : التزاحم فله قواعد أخرى تتّصل بالحكم نفسه ، ولا ترتبط بالسند أو الدلالة.

__________________

(١) راجع المقصد الثاني : ٣٢٧ ـ ٣٣٢.

ولا ينبغي أن يخلو كتابنا من الإشارة إليها. وهذه خير مناسبة لذكرها ، فنقول :

٤. تعادل وتراجيح المتزاحمين

لا شكّ في أنّه إذا تعادل المتزاحمان في جميع جهات الترجيح الآتية فإنّ الحكم فيهما هو التخيير. وهذا أمر محلّ اتّفاق وإن وقع الخلاف في تعادل المتعارضين أنّه يقتضي التساقط ، أو التخيير على ما سيأتي. (١)

وفي الحقيقة أنّ هذا التخيير إنّما يحكم به العقل ، والمراد به العقل العمليّ.

بيان ذلك أنّه بعد فرض عدم إمكان الجمع في الامتثال بين الحكمين المتزاحمين ، وعدم جواز تركهما معا ، ولا مرجّح لأحدهما على الآخر ، حسب الفرض ، ويستحيل الترجيح بلا مرجّح ، فلا مناص من أن يترك الأمر إلى اختيار المكلّف نفسه ؛ إذ يستحيل بقاء التكليف الفعليّ في كلّ منهما ، ولا موجب لسقوط التكليف فيهما معا. وهذا الحكم العقليّ ممّا تطابقت عليه آراء العقلاء.

ومن هذا الحكم العقليّ يستكشف حكم الشرع على طبق هذا الحكم العقليّ ، كسائر الأحكام العقليّة القطعيّة ؛ لأنّ هذا من باب المستقلاّت العقليّة التي تبتني على الملازمات العقليّة المحضة.

مثاله ، إذا دار الأمر بين إنقاذ غريقين متساويين من جميع الجهات ، لا ترجيح لأحدهما على الآخر شرعا من جهة وجوب الإنقاذ ، فإنّه لا مناص للمكلّف من أن يفعل أحدهما (٢) ويترك الآخر ، فهو على التخيير عقلا بينهما ، المستكشف منه رضى الشارع بذلك وموافقته على التخيير.

إذا عرفت ذلك ، فيكون من المهمّ جدّا أن نعرف ما هي المرجّحات في باب التزاحم؟ ومن الواضح أنّه لا بدّ أن تنتهي كلّها إلى أهمّيّة أحد الحكمين عند الشارع ، فالأهمّ عنده هو الأرجح في التقديم. ولمّا كانت الأهميّة تختلف جهتها ومنشؤها فلا بدّ من بيان تلك

__________________

(١) يأتي في المبحث السادس : ٥٥٧.

(٢) أي أحد الإنقاذين.