درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۶۶: مباحث حجت ۴۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ولا ينبغي أن يخلو كتابنا من الإشارة إليها. وهذه خير مناسبة لذكرها ، فنقول :

٤. تعادل وتراجيح المتزاحمين

لا شكّ في أنّه إذا تعادل المتزاحمان في جميع جهات الترجيح الآتية فإنّ الحكم فيهما هو التخيير. وهذا أمر محلّ اتّفاق وإن وقع الخلاف في تعادل المتعارضين أنّه يقتضي التساقط ، أو التخيير على ما سيأتي. (١)

وفي الحقيقة أنّ هذا التخيير إنّما يحكم به العقل ، والمراد به العقل العمليّ.

بيان ذلك أنّه بعد فرض عدم إمكان الجمع في الامتثال بين الحكمين المتزاحمين ، وعدم جواز تركهما معا ، ولا مرجّح لأحدهما على الآخر ، حسب الفرض ، ويستحيل الترجيح بلا مرجّح ، فلا مناص من أن يترك الأمر إلى اختيار المكلّف نفسه ؛ إذ يستحيل بقاء التكليف الفعليّ في كلّ منهما ، ولا موجب لسقوط التكليف فيهما معا. وهذا الحكم العقليّ ممّا تطابقت عليه آراء العقلاء.

ومن هذا الحكم العقليّ يستكشف حكم الشرع على طبق هذا الحكم العقليّ ، كسائر الأحكام العقليّة القطعيّة ؛ لأنّ هذا من باب المستقلاّت العقليّة التي تبتني على الملازمات العقليّة المحضة.

مثاله ، إذا دار الأمر بين إنقاذ غريقين متساويين من جميع الجهات ، لا ترجيح لأحدهما على الآخر شرعا من جهة وجوب الإنقاذ ، فإنّه لا مناص للمكلّف من أن يفعل أحدهما (٢) ويترك الآخر ، فهو على التخيير عقلا بينهما ، المستكشف منه رضى الشارع بذلك وموافقته على التخيير.

إذا عرفت ذلك ، فيكون من المهمّ جدّا أن نعرف ما هي المرجّحات في باب التزاحم؟ ومن الواضح أنّه لا بدّ أن تنتهي كلّها إلى أهمّيّة أحد الحكمين عند الشارع ، فالأهمّ عنده هو الأرجح في التقديم. ولمّا كانت الأهميّة تختلف جهتها ومنشؤها فلا بدّ من بيان تلك

__________________

(١) يأتي في المبحث السادس : ٥٥٧.

(٢) أي أحد الإنقاذين.

الجهات ، وهي تستكشف بأمور نذكرها على الاختصار : (١)

١. أن يكون أحد الواجبين لا بدل له ، مع كون الواجب الآخر المزاحم له ذا بدل ، سواء كان البدل اختياريّا ، كخصال الكفّارة ، أو اضطراريّا ، كالتيمّم بالنسبة إلى الوضوء ، وكالجلوس بالنسبة إلى القيام في الصلاة.

ولا شكّ في أنّ ما لا بدل له أهمّ ممّا له البدل قطعا عند المزاحمة ، وإن كان البدل اضطراريّا ؛ لأنّ الشارع قد رخّص في ترك ذي البدل إلى بدله الاضطراريّ عند الضرورة ، ولم يرخّص في ترك ما لا بدل له ، ولا شكّ في أنّ تقديم ما لا بدل له جمع بين التكليفين في الامتثال ، دون صورة تقديم ذي البدل ، فإنّ فيه تفويتا للأوّل بلا تدارك.

٢. أن يكون أحد الواجبين مضيّقا ، أو فوريّا ، مع كون الواجب الآخر المزاحم له موسّعا ؛ فإنّ المضيّق ، أو الفوريّ أهمّ من الموسّع قطعا ، كدوران الأمر بين إزالة النجاسة عن المسجد وإقامة الصّلاة في سعة وقتها.

وهذا الثاني ينسق على الأوّل ؛ لأنّ الموسّع له بدل طوليّ اختياريّ ، دون المضيّق والفوريّ ، فتقديم المضيّق أو الفوريّ جمع بين التكليفين في الامتثال ، دون تقديم الموسّع ، فإنّ فيه تفويتا للتكليف بالمضيّق أو الفوريّ بلا تدارك.

ومثله ما لو دار الأمر بين المضيّق والفوريّ ، كدوران الأمر بين الصلاة في آخر وقتها وإزالة النجاسة عن المسجد ، فإنّ الصلاة مقدّمة ؛ إذ لا تدارك لها.

٣. أن يكون أحد الواجبين صاحب الوقت المختصّ دون الآخر ؛ وكان كلّ منهما مضيّقا ، كما لو دار الأمر بين أداء الصلاة اليوميّة في آخر وقتها وبين صلاة الآيات في ضيق وقتها ؛ لأنّ الوقت لمّا كان مختصّا باليوميّة فهي أولى به عند مزاحمتها بما لا اختصاص له في أصل تشريعه بالوقت المعيّن ، وإنّما اتّفق حصول سببه في ذلك الوقت ، وتضيّق وقت أدائه. ومسألة تقديم اليوميّة على صلاة الآيات إذا تضيّق وقتهما معا أمر إجماعيّ متّفق عليه ، ولا منشأ له إلاّ أهمّيّة ذات الوقت المختصّ ، المفهومة من بعض الروايات. (٢)

__________________

(١) وإن أردت الاطّلاع على تفصيلها ، فراجع فوائد الأصول ١ : ٣٢٢ ـ ٣٣٠ و ٤ : ٧٠٩.

(٢) راجع الوسائل ٣ : ٩١ و ١١٤ و ١٣٤ ، الباب ٤ و ١٠ و ١٧ من أبواب المواقيت.