درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۶۷: مباحث حجت ۴۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

٤. أن يكون أحد الواجبين وجوبه مشروطا بالقدرة الشرعيّة دون الآخر. والمراد من القدرة الشرعيّة هي القدرة المأخوذة في لسان الدليل شرطا للوجوب ، كالحجّ المشروط وجوبه بالاستطاعة ، ونحوه.

ومع فرض المزاحمة بينه وبين واجب آخر وجوبه غير مشروط بالقدرة ، لا يحصل العلم بتحقّق ما هو شرط في الوجوب ؛ لاحتمال أنّ مزاحمته للواجب الآخر تكون سالبة للقدرة المعتبرة في الوجوب ، ومع عدم اليقين بحصول شروط الوجوب لا يحصل اليقين بأصل التكليف ، فلا يزاحم ما كان وجوبه منجّزا معلوما.

ولو قال قائل : إنّ كلّ واجب مشروط وجوبه بالقدرة عقلا ؛ إذن فالواجب الآخر أيضا مشروط بالقدرة ؛ فأيّ فرق بينهما؟

فالجواب : نحن نسلّم باشتراط كلّ واجب بالقدرة عقلا ، لكنّه لمّا لم تؤخذ القدرة في الواجب الآخر في لسان الدليل ، فهو من ناحية الدلالة اللفظيّة مطلق ، وإنّما العقل هو الذي يحكم بلزوم القدرة. ويكفي في حصول شرط القدرة العقليّة نفس تمكّن المكلّف من فعله ، ولو مع فرض المزاحمة ؛ إذ لا شكّ في أنّ المكلّف في فرض المزاحمة قادر ومتمكّن من فعل هذا الواجب المفروض ، وذلك بترك الواجب المزاحم له المشروط بالقدرة الشرعيّة.

والخلاصة أنّ الواجب الآخر وجوبه منجّز فعليّ ؛ لحصول شرطه ، وهو القدرة العقليّة ، بخلاف مزاحمه المشروط ؛ لما ذكرنا من احتمال أنّ ما أخذ في الدليل قدرة خاصّة لا تشمل هذه القدرة الحاصلة عند المزاحمة ، فلا يحرز تنجّزه ، ولا تعلم فعليّته.

وعليه ، فيرتفع التزاحم بين الوجوبين من رأس ، ويخلو الجوّ للواجب المطلق وإن كان مشروطا بالقدرة العقليّة.

٥. أن يكون أحد الواجبين مقدّما بحسب زمان امتثاله على الآخر ، كما لو دار الأمر بين القيام للركعة المتقدّمة ، وبين القيام لركعة بعدها ، في فرض كون المكلّف عاجزا عن القيام للركعتين معا ؛ متمكّنا من إحداهما فقط ، فإنّه ـ في هذا الفرض ـ يكون المتقدّم مستقرّ الوجوب في محلّه ؛ لحصول القدرة الفعليّة بالنسبة إليه. فإذا فعله انتفت القدرة الفعليّة بالنسبة إلى المتأخّر ، فلا يبقى له مجال.

ولا فرق في هذا الفرض بين ما إذا كانا معا مشروطين بالقدرة الشرعيّة ، أو مطلقين معا ، أمّا : لو اختلفا فإنّ المطلق مقدّم على المشروط بالقدرة الشرعيّة ، وإن كان زمان فعله متأخّرا.

٦. أن يكون أحد الواجبين أولى عند الشارع في التقديم من غير تلك الجهات المتقدّمة.

والأولويّة تعرف إمّا من الأدلّة ، وإمّا من مناسبة الحكم للموضوع ، وإمّا من معرفة ملاكات الأحكام بتوسّط الأدلّة السمعيّة. ومن أجل ذلك ، فإنّ الأولويّة تختلف باختلاف ما يستفاد من هذه الأمور ، ولا ضابط عامّ يمكن الرجوع إليه عند الشكّ ، فمن تلك الأولويّة ما إذا كان في الحكم الحفاظ على بيضة الإسلام ؛ فإنّه أولى بالتقديم من كلّ شيء في مقام المزاحمة.

ومنها : ما كان يتعلّق بحقوق الناس ؛ فإنّه أولى من غيره من التكاليف الشرعيّة المحضة ، أي التي لا علاقة لها بحقوق غير المكلّف بها.

ومنها : ما كان من قبيل الدماء والفروج ؛ فإنّه يحافظ عليه أكثر من غيره ؛ لما هو المعروف عند الشارع المقدّس من الأمر بالاحتياط الشديد في أمرها. فلو دار الأمر بين حفظ نفس المؤمن وحفظ ماله فإنّ حفظ نفسه مقدّم على حفظ ماله قطعا.

ومنها : ما كان ركنا في العبادة ، فإنّه مقدّم على ما ليس له هذه الصفة عند المزاحمة ، كما لو وقع التزاحم في الصلاة بين أداء القراءة و [أداء] الركوع ، فإنّ الركوع مقدّم على القراءة ، وإن كان زمان امتثاله متأخّرا عن القراءة.

وعلى مثل هذه فقس ، وأمثالها كثيرة لا تحصى ، كما لو دار الأمر بين الصلح بين المؤمنين بالكذب وبين الصدق وفيه الفتنة بينهم ، فإنّ الصلح مقدّم على الصدق. وهذا معروف من ضرورة الشرع الإسلاميّ.

وممّا ينبغي أن يعلم في هذا الصدد أنّه لو احتمل أهميّة أحد المتزاحمين فإنّ الاحتياط يقتضي تقديم محتمل الأهمّيّة ، وهذا الحكم العقليّ بالاحتياط يجري في كلّ مورد يدور فيه الأمر بين التعيين والتخيير في الواجبات. وعليه ، فلا يجب إحراز أهمّيّة أحد المتزاحمين ، بل يكفي الاحتمال. وهذا أصل ينفع كثيرا في الفروع الفقهيّة ، فاحتفظ به.