درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۶۹: مباحث حجت ۵۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

مع حفظ الإمام ، وبالعكس ؛ فإنّ هذا ونحوه يكون حاكما على أدلّة حكم الشكّ ؛ لأنّ لسانه إخراج شكّ كثير الشكّ وشكّ المأموم أو الإمام عن حضيرة صفة الشكّ تنزيلا ، فمن حقّه حينئذ ألاّ يعطى له أحكام الشكّ من نحو إبطال الصلاة ، أو البناء على الأكثر ، أو الأقلّ ، أو غير ذلك.

وإنّما قلنا : «الحكومة في بعض مواردها كالتخصيص» ؛ فلأنّ بعض موارد الحكومة الأخرى عكس التخصيص ؛ لأنّ الحكومة على قسمين : قسم يكون التصرّف فيها بتضييق الموضوع ، كالأمثلة المتقدّمة ، وقسم بتوسعته ، مثل ما لو قال ـ عقيب الأمر بإكرام العلماء ـ : «المتّقي عالم» ؛ فإنّ هذا يكون حاكما على الأوّل ، وليس فيه إخراج ، بل هو تصرّف في الموضوع بتوسعة معنى العالم ادّعاء إلى ما يشمل المتّقي ؛ تنزيلا للتقوى منزلة العلم ، فيعطى للمتّقي حكم العلماء من وجوب الإكرام ، ونحوه.

ومثاله في الشرعيّات «الطواف صلاة» ؛ فإنّ هذا التنزيل يعطي للطواف الأحكام المناسبة التي تخصّ الصلاة من نحو أحكام الشكوك ، ومثله «لحمة الرضاع كلحمة النسب» الموسّع لموضوع أحكام النسب.

ب. الورود

وأمّا : الفرق بين الحكومة وبين الورود ، فنقول :

كما قلنا : إنّ الحكومة كالتخصيص في النتيجة ، كذلك الورود كالتخصّص في النتيجة ؛ لأنّ كلاّ من الورود والتخصّص خروج الشيء بالدليل عن موضوع دليل آخر ، خروجا حقيقيّا. ولكنّ الفرق أنّ الخروج في التخصّص خروج بالتكوين بلا عناية التعبّد من الشارع ، كخروج الجاهل عن موضوع دليل «أكرم العلماء» ، فيقال : «إنّ الجاهل خارج عن عموم العلماء تخصّصا» ؛ وأمّا : في الورود فإنّ الخروج من الموضوع بنفس التعبّد من الشارع بلا خروج تكوينيّ ، فيكون الدليل الدالّ على التعبّد واردا على الدليل المثبت لحكم موضوعه.

مثاله دليل الأمارة الوارد على أدلّة الأصول العقليّة ، كالبراءة ، وقاعدة الاحتياط ، وقاعدة التخيير ؛ فإنّ البراءة العقليّة لمّا كان موضوعها عدم البيان الذي يحكم فيه العقل بقبح العقاب

معه فالدليل الدالّ على حجّيّة الأمارة يعتبر الأمارة بيانا تعبّدا ، وبهذا التعبّد يرتفع موضوع البراءة العقليّة ، وهو عدم البيان. وهكذا الحال في قاعدتي الاحتياط والتخيير ، فإنّ موضوع الأولى عدم المؤمّن من العقاب ، والأمارة بمقتضى دليل حجّيّتها مؤمّنة منه ، وموضوع الثانيّة الحيرة في الدوران بين المحذورين ، والأمارة بمقتضى دليل حجّيّتها مرجّحة لأحد الطرفين ، فترتفع الحيرة.

وبهذا البيان لمعنى الورود يتّضح الفرق بينه وبين الحكومة ، فإنّ ورود أحد الدليلين باعتبار كون أحدهما رافعا لموضوع الآخر حقيقة ، لكن بعناية التعبّد ، (١) فيكون الأوّل واردا على الثاني ، أمّا : الحكومة فإنّها لا توجب خروج مدلول الحاكم عن موضوع مدلول المحكوم وجدانا ، وعلى وجه الحقيقة ، بل الخروج فيها إنّما يكون حكميّا ، وتنزيليّا ، وبعناية ثبوت المتعبّد به اعتبارا. (٢)

٦. القاعدة في المتعارضين (التساقط أو التخيير)

أشرنا فيما تقدّم (٣) إلى أنّ القاعدة في التعادل بين المتزاحمين هو التخيير بحكم العقل ، وذلك محلّ وفاق. أمّا : في تعادل المتعارضين فقد وقع الخلاف في أنّ القاعدة هي التساقط أو التخيير؟

__________________

(١) أي : يكون خروج المورود عن تحت موضوع دليل آخر ناشئا عن تصرّف من ناحية الحاكم ، بحيث لو لا هذا التصرّف لكان دليل المورود شاملا له ، كخروج الشبهة عند قيام الأمارة ، أو الأصل الشرعي عليها عن موضوع حكم العقل بالبراءة ، والاحتياط ، والتخيير ؛ فإنّ خروجها عنه إنّما يكون ببركة التعبّد بالأمارات ، والأصول ـ وهذا تصرّف من ناحية الحاكم ـ ، ولو لا التعبّد بها كانت الشبهة داخلة في موضوع الأصول العمليّة.

(٢) أي : دليل الحاكم يتصرّف فيما يتكفّله دليل المحكوم من الحكم الشرعى بعناية التصرّف في الموضوع ، فينفي وجود الموضوع ، أو يثبته ، بأن يتصرّف ، إمّا في موضوع دليل المحكوم بإدخال ما يكون خارجا عنه ، أو بإخراج ما يكون داخلا فيه ، كقوله : «زيد عالم» أو «زيد ليس بعالم» عقيب قوله : «أكرم العالم» ، وإمّا في محمول دليل المحكوم بتضييق دائرة الحكم ، وتخصيصه ببعض حالاته ، كقوله (تعالى) : ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا ضرر ولا ضرار».

(٣) راجع الصفحة : ١٩٥ من هذا الجزء.