درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۷۰: مباحث حجت ۵۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

معه فالدليل الدالّ على حجّيّة الأمارة يعتبر الأمارة بيانا تعبّدا ، وبهذا التعبّد يرتفع موضوع البراءة العقليّة ، وهو عدم البيان. وهكذا الحال في قاعدتي الاحتياط والتخيير ، فإنّ موضوع الأولى عدم المؤمّن من العقاب ، والأمارة بمقتضى دليل حجّيّتها مؤمّنة منه ، وموضوع الثانيّة الحيرة في الدوران بين المحذورين ، والأمارة بمقتضى دليل حجّيّتها مرجّحة لأحد الطرفين ، فترتفع الحيرة.

وبهذا البيان لمعنى الورود يتّضح الفرق بينه وبين الحكومة ، فإنّ ورود أحد الدليلين باعتبار كون أحدهما رافعا لموضوع الآخر حقيقة ، لكن بعناية التعبّد ، (١) فيكون الأوّل واردا على الثاني ، أمّا : الحكومة فإنّها لا توجب خروج مدلول الحاكم عن موضوع مدلول المحكوم وجدانا ، وعلى وجه الحقيقة ، بل الخروج فيها إنّما يكون حكميّا ، وتنزيليّا ، وبعناية ثبوت المتعبّد به اعتبارا. (٢)

٦. القاعدة في المتعارضين (التساقط أو التخيير)

أشرنا فيما تقدّم (٣) إلى أنّ القاعدة في التعادل بين المتزاحمين هو التخيير بحكم العقل ، وذلك محلّ وفاق. أمّا : في تعادل المتعارضين فقد وقع الخلاف في أنّ القاعدة هي التساقط أو التخيير؟

__________________

(١) أي : يكون خروج المورود عن تحت موضوع دليل آخر ناشئا عن تصرّف من ناحية الحاكم ، بحيث لو لا هذا التصرّف لكان دليل المورود شاملا له ، كخروج الشبهة عند قيام الأمارة ، أو الأصل الشرعي عليها عن موضوع حكم العقل بالبراءة ، والاحتياط ، والتخيير ؛ فإنّ خروجها عنه إنّما يكون ببركة التعبّد بالأمارات ، والأصول ـ وهذا تصرّف من ناحية الحاكم ـ ، ولو لا التعبّد بها كانت الشبهة داخلة في موضوع الأصول العمليّة.

(٢) أي : دليل الحاكم يتصرّف فيما يتكفّله دليل المحكوم من الحكم الشرعى بعناية التصرّف في الموضوع ، فينفي وجود الموضوع ، أو يثبته ، بأن يتصرّف ، إمّا في موضوع دليل المحكوم بإدخال ما يكون خارجا عنه ، أو بإخراج ما يكون داخلا فيه ، كقوله : «زيد عالم» أو «زيد ليس بعالم» عقيب قوله : «أكرم العالم» ، وإمّا في محمول دليل المحكوم بتضييق دائرة الحكم ، وتخصيصه ببعض حالاته ، كقوله (تعالى) : ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا ضرر ولا ضرار».

(٣) راجع الصفحة : ١٩٥ من هذا الجزء.

والحقّ أنّ القاعدة الأوّليّة هي التساقط ، وعليه أساتذتنا المحقّقون ، (١) وإن دلّ الدليل من الأخبار على التخيير ـ كما سيأتي ـ (٢). ونحن نتكلّم في القاعدة بناء على المختار من أنّ الأمارات مجعولة على نحو الطريقيّة. ولا حاجة للبحث عنها بناء على السببيّة. فنقول :

إنّ الدليل الذي يوهم لزوم التخيير هو أنّ التعارض لا يقع بين الدليلين ، إلاّ إذا كان كلّ منهما واجدا لشرائط الحجّيّة ، ـ كما تقدّم في شروط التعارض ـ ، (٣) والتعارض أكثر ما يوجب سقوط أحدهما (٤) غير المعيّن عن الحجّيّة الفعليّة ؛ لمكان التكاذب بينهما ، فيبقى الثاني غير المعيّن على ما هو عليه من الحجّيّة الفعليّة واقعا ، ولمّا لم يمكن تعيينه ـ والمفروض أنّ الحجّة الفعليّة منجّزة للتكليف يجب العمل بها ـ فلا بدّ من التخيير بينهما.

والجواب : أنّ التخيير المقصود إمّا أن يراد به التخيير من جهة الحجّيّة ، أو من جهة الواقع : فإن كان الأوّل فلا معنى لوجوب التخيير بين المتعارضين ؛ لأنّ دليل الحجّيّة الشامل لكلّ منهما في حدّ نفسه إنّما مفاده حجّيّة أفراده على نحو التعيين ، لا حجّيّة هذا أو ذاك من أفراده لا على التعيين ، حتى يصحّ أن يفرض أنّ أحدهما غير المعيّن حجّة يجب الأخذ به فعلا ، فيجب التخيير في تطبيق دليل الحجّيّة على ما يشاء منهما.

وبعبارة أخرى : إنّ دليل الحجّيّة الشامل لكلّ منهما في حدّ نفسه إنّما يدلّ على وجود المقتضي للحجّيّة في كلّ منهما لو لا المانع ، لا فعليّة الحجّيّة. ولمّا كان التعارض يقتضي تكاذبهما ، فلا محالة يسقط أحدهما غير المعيّن عن الفعليّة ، أي يكون كلّ منهما مانعا عن فعليّة حجّيّة الآخر. وإذا كان الأمر كذلك فكلّ منهما لم تتم فيه مقوّمات الحجّيّة الفعليّة ليكون منجّزا للواقع يجب العمل به ، فلا يكون أحدهما غير المعيّن يجب الأخذ به فعلا ،

__________________

(١) فرائد الأصول : ٧٦٠ و ٧٦٢ ؛ كفاية الأصول : ٤٩٩ ؛ فوائد الأصول ٤ : ٧٢٦ و ٧٥٥ ؛ نهاية الأفكار ٤ «القسم الثاني» : ١٧٤.

(٢) سيأتي في الصفحات : ٥٦٣ ـ ٥٧٦.

(٣) راجع الصفحة : ٥٤٥.

(٤) أي : التعارض أكثر ما يوجبه هو سقوط أحدهما .... فقوله : «أكثر ما يوجب» مبتدأ ، وخبره «سقوط». والجملة خبر «التعارض».

حتى يجب التخيير ، بل حينئذ يتساقطان ، أي إنّ كلاّ منهما يكون ساقطا عن الحجّيّة الفعليّة وخارجا عن دليل الحجّيّة.

وإن كان الثاني ، فنقول :

أوّلا : لا يصحّ أن يفرض التخيير من جهة الواقع إلاّ إذا علم بإصابة أحدهما للواقع ، ولكن ليس ذلك أمرا لازما في الحجّتين المتعارضتين ؛ إذ يجوز فيهما أن تكونا معا كاذبتين. وإنّما اللازم فيهما من جهة التعارض هو العلم بكذب إحداهما ، لا العلم بمطابقة إحداهما للواقع. وعلى هذا ، فليس الواقع محرزا في إحداهما ، حتى يجب التخيير بينهما من أجله.

وثانيا : على تقدير حصول العلم بإصابة أحدهما (١) غير المعيّن للواقع ، فإنّه أيضا لا وجه للتخيير بينهما ؛ إذ لا وجه للتخيير بين الواقع وغيره ، وهذا واضح.

وغاية ما يقال ، أنّه إذا حصل العلم بمطابقة أحدهما للواقع فإنّ الحكم الواقعيّ يتنجّز بالعلم الإجماليّ ، وحينئذ يجب إجراء قواعد العلم الإجماليّ فيه. ولكن لا يرتبط حينئذ بمسألتنا ـ وهي مسألة أنّ القاعدة في المتعارضين هو التساقط أو التخيير؟ ـ ؛ لأنّ قواعد العلم الإجماليّ تجري حينئذ حتى مع العلم بعدم حجّيّة الدليلين معا. وقد يقتضي العلم الإجماليّ في بعض الموارد التخيير ، وقد يقتضي الاحتياط في البعض الآخر على اختلاف الموارد.

إذا عرفت ذلك ، فيتحصّل أنّ القاعدة الأوّليّة بين المتعارضين هو التساقط ، مع عدم حصول مزيّة في أحدهما تقتضي الترجيح.

أمّا : لو كان الدليلان المتعارضان يقتضيان معا نفي حكم ثالث فهل مقتضى تساقطهما عدم حجّيّتهما في نفى الثالث؟

الحقّ أنّه لا يقتضي ذلك (٢) ؛ لأنّ المعارضة بينهما أقصى ما تقضي سقوط (٣) حجّيّتهما في

__________________

(١) أي أحد الدليلين المتعارضين.

(٢) كما في فوائد الأصول ٤ : ٧٥٥.

(٣) خبر «أقصى» ، والجملة خبر «أنّ».