درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۷۱: مباحث حجت ۵۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

حتى يجب التخيير ، بل حينئذ يتساقطان ، أي إنّ كلاّ منهما يكون ساقطا عن الحجّيّة الفعليّة وخارجا عن دليل الحجّيّة.

وإن كان الثاني ، فنقول :

أوّلا : لا يصحّ أن يفرض التخيير من جهة الواقع إلاّ إذا علم بإصابة أحدهما للواقع ، ولكن ليس ذلك أمرا لازما في الحجّتين المتعارضتين ؛ إذ يجوز فيهما أن تكونا معا كاذبتين. وإنّما اللازم فيهما من جهة التعارض هو العلم بكذب إحداهما ، لا العلم بمطابقة إحداهما للواقع. وعلى هذا ، فليس الواقع محرزا في إحداهما ، حتى يجب التخيير بينهما من أجله.

وثانيا : على تقدير حصول العلم بإصابة أحدهما (١) غير المعيّن للواقع ، فإنّه أيضا لا وجه للتخيير بينهما ؛ إذ لا وجه للتخيير بين الواقع وغيره ، وهذا واضح.

وغاية ما يقال ، أنّه إذا حصل العلم بمطابقة أحدهما للواقع فإنّ الحكم الواقعيّ يتنجّز بالعلم الإجماليّ ، وحينئذ يجب إجراء قواعد العلم الإجماليّ فيه. ولكن لا يرتبط حينئذ بمسألتنا ـ وهي مسألة أنّ القاعدة في المتعارضين هو التساقط أو التخيير؟ ـ ؛ لأنّ قواعد العلم الإجماليّ تجري حينئذ حتى مع العلم بعدم حجّيّة الدليلين معا. وقد يقتضي العلم الإجماليّ في بعض الموارد التخيير ، وقد يقتضي الاحتياط في البعض الآخر على اختلاف الموارد.

إذا عرفت ذلك ، فيتحصّل أنّ القاعدة الأوّليّة بين المتعارضين هو التساقط ، مع عدم حصول مزيّة في أحدهما تقتضي الترجيح.

أمّا : لو كان الدليلان المتعارضان يقتضيان معا نفي حكم ثالث فهل مقتضى تساقطهما عدم حجّيّتهما في نفى الثالث؟

الحقّ أنّه لا يقتضي ذلك (٢) ؛ لأنّ المعارضة بينهما أقصى ما تقضي سقوط (٣) حجّيّتهما في

__________________

(١) أي أحد الدليلين المتعارضين.

(٢) كما في فوائد الأصول ٤ : ٧٥٥.

(٣) خبر «أقصى» ، والجملة خبر «أنّ».

دلالتهما فيما هما متعارضان فيه ، فيبقيان في دلالتهما الأخرى على ما هما عليه من الحجّيّة ؛ إذ لا مانع من شمول أدلّة الحجّيّة لهما معا في ذلك. (١) وقد سبق أن قلنا : إنّ الدلالة الالتزاميّة تابعة للدلالة المطابقيّة في أصل الوجود ، لا في الحجّيّة ، (٢) فلا مانع من أن يكون الدليل حجّة في دلالته الالتزاميّة ، مع وجود المانع عن حجّيّته في الدلالة المطابقيّة. هذا فيما إذا كانت إحدى الدلالتين تابعة للأخرى في الوجود فكيف الحال في الدلالتين اللتين لا تبعيّة بينهما في الوجود ، فإنّ الحكم فيه بعدم سقوط حجّيّة إحداهما بسقوط الأخرى أولى.

٧. الجمع بين المتعارضين أولى من الطرح

اشتهر بينهم أنّ الجمع بين المتعارضين مهما أمكن أولى من الطرح ، (٣) وقد نقل (٤) عن «عوالي اللآلئ» (٥) دعوى الإجماع على هذه القاعدة.

وظاهر أنّ المراد من الجمع الذي هو أولى من الطرح هو الجمع في الدلالة ؛ فإنّه إذا كان الجمع بينهما في الدلالة ممكنا تلاءما ، فيرتفع التعارض بينهما ، فلا يتكاذبان.

وتشمل القاعدة بحسب ذلك صورة تعادل المتعارضين في السند ، وصورة ما إذا كانت لأحدهما مزيّة تقتضي ترجيحه في السند ؛ لأنّه في الصورة الثانية بتقديم ذي المزيّة يلزم

__________________

(١) فالمتعارضان يشتركان في نفي الثالث بالدلالة الالتزاميّة ، ويكونان معا حجتين في نفى الثالث. وهذا ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٤ : ٧٥٥ ، والمحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٤ «القسم الثاني» : ١٧٥ ـ ١٧٦. واختاره المصنّف في المقام. بخلاف المحقّق الخراسانيّ ، فإنّه ذهب إلى استناد نفي الثالث إلى أحدهما بلا تعيين ، لا إليهما معا. كفاية الأصول : ٤٩٩.

(٢) هذا جواب عن توهّم أنّ الدلالة الالتزاميّة فرع الدلالة المطابقيّة ، وبعد سقوط المتعارضين في المدلول المطابقي لا مجال لبقاء الدلالة الالتزاميّة لهما في نفي الثالث.

أجاب عنه ـ بما ذكر في المتن ـ المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٤ : ٧٥٦. وأورد عليه المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٤ «القسم الثاني» : ١٧٦.

(٣) الفصول الغرويّة : ٤٤٠ ؛ مناهج الأحكام : ٣١٢ ؛ تمهيد القواعد : ٢٨٣.

(٤) والناقل هو الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ٢ : ٧٥٣.

(٥) عوالي اللئالئ ٤ : ١٣٦.

طرح الآخر ، مع فرض إمكان الجمع.

وعليه ، فمقتضى القاعدة مع إمكان الجمع عدم جواز طرحهما معا على القول بالتساقط ، وعدم طرح أحدهما غير المعيّن على القول بالتخيير ، وعدم طرح أحدهما المعيّن غير ذي المزيّة مع الترجيح.

ومن أجل هذا تكون لهذه القاعدة أهميّة كبيرة في العمل بالمتعارضين ، فيجب البحث عنها من ناحية مدركها ، ومن ناحية عمومها لكلّ جمع ، حتى الجمع التبرّعيّ.

١. أمّا من الناحية الأولى : فمن الظاهر أنّه لا مدرك لها (١) إلاّ حكم العقل بأولويّة الجمع ؛ لأنّ التعارض لا يقع إلاّ مع فرض تماميّة مقوّمات الحجّيّة في كلّ منهما من ناحية السند والدلالة ـ كما تقدّم في الشرط الرابع من شروط التعارض ـ (٢). ومع فرض وجود مقوّمات الحجّيّة ـ أي وجود المقتضي للحجّيّة ـ فإنّه لا وجه لرفع اليد عن ذلك إلاّ مع وجود مانع من تأثير المقتضي ، وما المانع في فرض التعارض إلاّ تكاذبهما. ومع فرض إمكان الجمع في الدلالة بينهما لا يحرز تكاذبهما ، فلا يحرز المانع عن تأثير مقتضي الحجّيّة فيهما ، فكيف يصحّ أن نحكم بتساقطهما ، أو سقوط أحدهما؟!

٢. وأمّا من الناحية الثانية : فإنّا نقول : إنّ المراد من الجمع التبرّعيّ ما يرجع إلى التأويل الكيفيّ الذي لا يساعد عليه عرف أهل المحاورة ، ولا شاهد عليه من دليل ثالث.

وقد يظنّ الظانّ أنّ إمكان الجمع التبرّعيّ يحقّق هذه القاعدة ـ وهي أولويّة الجمع من الطرح ـ بمقتضى التقرير المتقدّم في مدركها ؛ إذ لا يحرز المانع ـ وهو تكاذب المتعارضين ـ حينئذ ، فيكون الجمع أولى.

ولكن يجاب عن ذلك أنّه لو كان مضمون هذه القاعدة المجمع عليها ما يشمل الجمع التبرّعيّ ، فلا يبقى هناك دليلان متعارضان ، وللزم طرح كلّ ما ورد في باب التعارض من الأخبار العلاجيّة إلاّ فيما هو نادر ندرة لا يصحّ حمل الأخبار عليها ، وهو صورة كون كلّ من المتعارضين نصّا في دلالته لا يمكن تأويله بوجه من الوجوه. بل ربما يقال : لا وجود

__________________

(١) كما في كفاية الأصول : ٥٠١ ، وفرائد الأصول ٢ : ٧٥٤.

(٢) تقدّم في الصفحة : ٥٤٧.