درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۷۲: مباحث حجت ۵۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

طرح الآخر ، مع فرض إمكان الجمع.

وعليه ، فمقتضى القاعدة مع إمكان الجمع عدم جواز طرحهما معا على القول بالتساقط ، وعدم طرح أحدهما غير المعيّن على القول بالتخيير ، وعدم طرح أحدهما المعيّن غير ذي المزيّة مع الترجيح.

ومن أجل هذا تكون لهذه القاعدة أهميّة كبيرة في العمل بالمتعارضين ، فيجب البحث عنها من ناحية مدركها ، ومن ناحية عمومها لكلّ جمع ، حتى الجمع التبرّعيّ.

١. أمّا من الناحية الأولى : فمن الظاهر أنّه لا مدرك لها (١) إلاّ حكم العقل بأولويّة الجمع ؛ لأنّ التعارض لا يقع إلاّ مع فرض تماميّة مقوّمات الحجّيّة في كلّ منهما من ناحية السند والدلالة ـ كما تقدّم في الشرط الرابع من شروط التعارض ـ (٢). ومع فرض وجود مقوّمات الحجّيّة ـ أي وجود المقتضي للحجّيّة ـ فإنّه لا وجه لرفع اليد عن ذلك إلاّ مع وجود مانع من تأثير المقتضي ، وما المانع في فرض التعارض إلاّ تكاذبهما. ومع فرض إمكان الجمع في الدلالة بينهما لا يحرز تكاذبهما ، فلا يحرز المانع عن تأثير مقتضي الحجّيّة فيهما ، فكيف يصحّ أن نحكم بتساقطهما ، أو سقوط أحدهما؟!

٢. وأمّا من الناحية الثانية : فإنّا نقول : إنّ المراد من الجمع التبرّعيّ ما يرجع إلى التأويل الكيفيّ الذي لا يساعد عليه عرف أهل المحاورة ، ولا شاهد عليه من دليل ثالث.

وقد يظنّ الظانّ أنّ إمكان الجمع التبرّعيّ يحقّق هذه القاعدة ـ وهي أولويّة الجمع من الطرح ـ بمقتضى التقرير المتقدّم في مدركها ؛ إذ لا يحرز المانع ـ وهو تكاذب المتعارضين ـ حينئذ ، فيكون الجمع أولى.

ولكن يجاب عن ذلك أنّه لو كان مضمون هذه القاعدة المجمع عليها ما يشمل الجمع التبرّعيّ ، فلا يبقى هناك دليلان متعارضان ، وللزم طرح كلّ ما ورد في باب التعارض من الأخبار العلاجيّة إلاّ فيما هو نادر ندرة لا يصحّ حمل الأخبار عليها ، وهو صورة كون كلّ من المتعارضين نصّا في دلالته لا يمكن تأويله بوجه من الوجوه. بل ربما يقال : لا وجود

__________________

(١) كما في كفاية الأصول : ٥٠١ ، وفرائد الأصول ٢ : ٧٥٤.

(٢) تقدّم في الصفحة : ٥٤٧.

لهذه الصورة في المتعارضين.

وببيان آخر برهانيّ ، نقول : إنّ المتعارضين لا يخلوان عن حالات أربع : إمّا أن يكونا مقطوعي الدلالة ، مظنوني السند ، أو بالعكس ـ أي يكونان مظنوني الدلالة ، مقطوعي السند ـ ، أو يكون أحدهما مقطوع الدلالة ، مظنون السند ، والآخر بالعكس ، أو يكونا مظنوني الدلالة والسند معا.

أمّا : فرض أحدهما أو كلّ منهما مقطوع الدلالة والسند معا فإنّ ذلك يخرجهما عن كونهما متعارضين ، بل الفرض الثاني مستحيل ـ كما تقدّم ـ (١).

وعليه ، فللمتعارضين أربع حالات ممكنة ، لا غيرها ؛ فإن كانت الأولى ، (٢) فلا مجال فيها للجمع في الدلالة مطلقا ؛ للقطع بدلالة كلّ منهما ، فهو خارج عن مورد القاعدة رأسا ـ كما أشرنا إليه ـ ، بل هما في هذه الحالة إمّا أن يرجع فيهما إلى الترجيحات السنديّة ، أو يتساقطا حيث لا مرجّح ، أو يتخيّر بينهما.

وإن كانت الثانية ، (٣) فإنّه مع القطع بسندهما ، كالمتواترين ، أو الآيتين القرآنيتين لا يعقل طرحهما ، أو طرح أحدهما من ناحية السند ، فلم يبق إلاّ التصرّف فيهما من ناحية الدلالة.

ولا يعقل جريان أصالة الظهور فيهما معا ؛ لتكاذبهما في الظهور. وحينئذ ، فإن كان هناك جمع عرفيّ بينهما ـ بأن يكون أحدهما المعيّن قرينة على الآخر ، أو كلّ منهما قرينة على التصرّف في الآخر على نحو ما يأتي من بيان وجوه الجمع الدلالي ، فإنّ هذا الجمع في الحقيقة يكون هو الظاهر منهما ـ فيدخلان بحسبه في باب الظواهر ، ويتعيّن الأخذ بهذا الظهور.

وإن لم يكن هناك جمع عرفيّ ـ فإنّ الجمع التبرّعيّ لا يجعل لهما ظهورا فيه ليدخل في باب الظواهر ويكون موضعا لبناء العقلاء. ولا دليل في المقام غير بناء العقلاء على الأخذ بالظواهر ـ فما الذي يصحّح الأخذ بهذا التأويل التبرّعيّ ، ويكون دليلا على حجّيّته؟

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ٥٤٥.

(٢) وهي أن يكون المتعارضان مقطوعي الدلالة ، مظنوني السند ، كالخبرين الواحدين كانا مقطوعي الدلالة.

(٣) وهي أن يكونا مظنوني الدلالة ، مقطوعي السند ، كالخبرين المتواترين أو الآيتين.

وغاية ما يقتضي تعارضهما عدم إرادة ظهور كلّ منهما ، ولا يقتضي أن يكون المراد غير ظاهرهما من الجمع التبرّعيّ ، فإنّ هذا يحتاج إلى دليل يعيّنه ، ويدلّ على حجّيّتهما فيه ؛ ولا دليل حسب الفرض.

وإن كانت الثالثة (١) ، فإنّه يدور الأمر فيها بين التصرّف في سند مظنون السند ، وبين التصرّف في ظهور مظنون الدلالة أو طرحهما معا ، فإن كان مقطوع الدلالة صالحا للتصرّف بحسب عرف أهل المحاورة في ظهور الآخر ، تعيّن ذلك ؛ إذ يكون قرينة على المراد من الآخر ، فيدخل بحسبه في الظواهر التي هي حجّة.

وأمّا : إذا لم يكن لمقطوع الدلالة هذه الصلاحية ، فإنّ تأويل الظاهر تبرّعا لا يدخل في الظاهر حينئذ ليكون حجّة ببناء العقلاء ، ولا دليل آخر عليه ـ كما تقدّم في الصورة الثانية ـ ، ويتعيّن في هذا الفرض طرح هذين الدليلين : طرح مقطوع الدلالة من ناحية السند ، وطرح مقطوع السند من ناحية الدلالة ، فلا يكون الجمع أولى ؛ إذ ليس إجراء دليل أصالة السند بأولى من دليل أصالة الظهور ، وكذلك العكس. ولا معنى في هذه الحالة للرجوع إلى المرجّحات في السند مع القطع بسند أحدهما ، كما هو واضح.

وإن كانت الرابعة ، (٢) فإنّ الأمر يدور فيها بين التصرّف في أصالة السند في أحدهما ، والتصرّف في أصالة الظهور في الآخر ، لا أنّ الأمر يدور بين السندين ، ولا بين الظهورين.

والسرّ في هذا الدوران أنّ دليل حجّيّة السند يشملهما معا على حدّ سواء ، بلا ترجيح لأحدهما على الآخر ، حسب الفرض ، (٣) وكذلك دليل حجّيّة الظهور. (٤) ولمّا كان يمتنع اجتماع ظهورهما ؛ لفرض تعارضهما ، فإذا أردنا أن نأخذ بسندهما معا لا بدّ أن نحكم بكذب ظهور أحدهما ، فيصادم حجّيّة سند أحدهما حجّيّة ظهور الآخر ، وكذلك إذا أردنا أن نأخذ بظهورهما معا لا بدّ أن نحكم بكذب سند أحدهما ، فيصادم حجّيّة ظهور أحدهما

__________________

(١) وهي أن يكون أحدهما مقطوع الدلالة ، مظنون السند ، والآخر بالعكس ، كخبر الواحد ، والخبر المتواتر.

(٢) وهي أن يكونا مظنوني الدلالة والسند معا ، كالخبرين الواحدين كانا مظنوني الدلالة.

(٣) لأنّ المفروض أنّهما مظنونا السند معا.

(٤) لأنّ المفروض أنّهما مظنونا الدلالة معا.