درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۷۳: مباحث حجت ۵۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

وغاية ما يقتضي تعارضهما عدم إرادة ظهور كلّ منهما ، ولا يقتضي أن يكون المراد غير ظاهرهما من الجمع التبرّعيّ ، فإنّ هذا يحتاج إلى دليل يعيّنه ، ويدلّ على حجّيّتهما فيه ؛ ولا دليل حسب الفرض.

وإن كانت الثالثة (١) ، فإنّه يدور الأمر فيها بين التصرّف في سند مظنون السند ، وبين التصرّف في ظهور مظنون الدلالة أو طرحهما معا ، فإن كان مقطوع الدلالة صالحا للتصرّف بحسب عرف أهل المحاورة في ظهور الآخر ، تعيّن ذلك ؛ إذ يكون قرينة على المراد من الآخر ، فيدخل بحسبه في الظواهر التي هي حجّة.

وأمّا : إذا لم يكن لمقطوع الدلالة هذه الصلاحية ، فإنّ تأويل الظاهر تبرّعا لا يدخل في الظاهر حينئذ ليكون حجّة ببناء العقلاء ، ولا دليل آخر عليه ـ كما تقدّم في الصورة الثانية ـ ، ويتعيّن في هذا الفرض طرح هذين الدليلين : طرح مقطوع الدلالة من ناحية السند ، وطرح مقطوع السند من ناحية الدلالة ، فلا يكون الجمع أولى ؛ إذ ليس إجراء دليل أصالة السند بأولى من دليل أصالة الظهور ، وكذلك العكس. ولا معنى في هذه الحالة للرجوع إلى المرجّحات في السند مع القطع بسند أحدهما ، كما هو واضح.

وإن كانت الرابعة ، (٢) فإنّ الأمر يدور فيها بين التصرّف في أصالة السند في أحدهما ، والتصرّف في أصالة الظهور في الآخر ، لا أنّ الأمر يدور بين السندين ، ولا بين الظهورين.

والسرّ في هذا الدوران أنّ دليل حجّيّة السند يشملهما معا على حدّ سواء ، بلا ترجيح لأحدهما على الآخر ، حسب الفرض ، (٣) وكذلك دليل حجّيّة الظهور. (٤) ولمّا كان يمتنع اجتماع ظهورهما ؛ لفرض تعارضهما ، فإذا أردنا أن نأخذ بسندهما معا لا بدّ أن نحكم بكذب ظهور أحدهما ، فيصادم حجّيّة سند أحدهما حجّيّة ظهور الآخر ، وكذلك إذا أردنا أن نأخذ بظهورهما معا لا بدّ أن نحكم بكذب سند أحدهما ، فيصادم حجّيّة ظهور أحدهما

__________________

(١) وهي أن يكون أحدهما مقطوع الدلالة ، مظنون السند ، والآخر بالعكس ، كخبر الواحد ، والخبر المتواتر.

(٢) وهي أن يكونا مظنوني الدلالة والسند معا ، كالخبرين الواحدين كانا مظنوني الدلالة.

(٣) لأنّ المفروض أنّهما مظنونا السند معا.

(٤) لأنّ المفروض أنّهما مظنونا الدلالة معا.

حجّيّة سند الآخر. فيرجع الأمر في هذه الحالة إلى الدوران بين حجّيّة سند أحدهما وحجّيّة ظهور الآخر.

وإذا كان الأمر كذلك ، فليس أحدهما أولى من الآخر ، كما تقدّم.

نعم ، لو كان هناك جمع عرفيّ بين ظهوريهما فإنّه حينئذ لا تجري أصالة الظهور فيهما على حدّ سواء ، بل المتّبع في بناء العقلاء ما يقتضيه الجمع العرفيّ الذي يقتضي الملاءمة بينهما ، فلا يصلح كلّ منهما لمعارضة الآخر.

ومن هنا نقول : إنّ الجمع العرفيّ أولى من الطرح ؛ بل بالجمع العرفيّ يخرجان عن كونهما متعارضين ـ كما سيأتي ـ ؛ فلا مقتضي لطرح أحدهما أو طرحهما معا.

أمّا : إذا لم يكن بينهما جمع عرفيّ ـ فإنّ الجمع التبرّعيّ لا يصلح للملاءمة بين ظهوريهما ـ فتبقى أصالة الظهور حجّة في كلّ منهما ، فيبقيان على ما هما عليه من التعارض ، فإمّا أن يقدّم أحدهما على الآخر لمزيّة ، أو يتخيّر بينهما ، أو يتساقطا.

فتحصّل من ذلك كلّه أنّه لا مجال للقول بأولويّة الجمع التبرّعيّ من الطرح في كلّ صورة مفروضة للمتعارضين.

تمرينات (٦٢)

١. ما مراد الأصوليّين من «التعادل» و «التراجيح» في عنوان المسألة؟

٢. ما الوجه في أخذ كلمة «التراجيح» على صيغة الجمع دون كلمة «التعادل»؟

٣. ما الغرض من مبحث التعادل والتراجيح؟

٤. قال المصنّف قدس‌سره : «الأنسب أن تعنون المسألة بعنوان التعارض بين الأدلّة» ، ما الوجه في كونه أنسب؟

٥. ما هي حقيقة التعارض في اصطلاح الأصوليّين؟

٦. ما هي شروط التعارض؟

٧. ما الفرق بين باب التعارض وباب التزاحم؟

٨. ما هي قواعد التزاحم التي تتّصل بالحكم نفسه؟

٩. ما هي المرجّحات في باب التزاحم؟

١٠. إنّ من جملة المرجّحات في باب التزاحم أولويّة أحدهما عند الشارع في التقديم ، كيف تعرف تلك الأولويّة؟

١١. ما هي الحكومة؟ اذكر مثالا لها من العرف ، ومثالا من الشرع.

١٢. ما هو الورود؟ اذكر مثالا له من العرف ، ومثالا من الشرع.

١٣. من هو مبتكر مبحث الحكومة والورود؟

١٤. ما الفرق بين الحكومة والتخصيص؟

١٥. ما الفرق بين الورود والتخصّص؟

١٦. ما هي القاعدة في المتعارضين؟

١٧. ما الدليل الذي يوهم لزوم التخيير؟ وما الجواب عنه؟

١٨. لو كان الدليلان المتعارضان يقتضيان معا نفي حكم ثالث فهل مقتضى تساقطهما عدم حجّيّتهما في نفي الثالث؟

١٩. ما المراد من قاعدة «الجمع أولى من الطرح»؟

٢٠. لم لا تشمل قاعدة «الجمع أولى من الطرح» الجمع التبرّعي؟

٢١. اذكر العلاج في الصور الآتية من التعارض :

ألف) يكون أحد المتعارضين مقطوع الدلالة مظنون السند ، والآخر مظنون الدلالة مقطوع السند.

ب) يكونان مقطوعي الدلالة مظنوني السند.

ج) يكونان مظنوني الدلالة مقطوعي السند.

د) يكونان مظنوني الدلالة والسند معا.

إذا عرفت ما ذكرناه من الأمور في المقدّمة فلنشرع في المقصود ، والأمور التي ينبغي أن نبحثها ثلاثة : الجمع العرفيّ ، والقاعدة الثانوية في المتعادلين ، والمرجّحات السنديّة وما يتعلّق بها.

الأمر الأوّل : الجمع العرفيّ

بمقتضى ما شرحناه في المقدّمة الأخيرة يتّضح أنّ القدر المتيقّن من قاعدة أولويّة الجمع من الطرح في المتعارضين هو «الجمع العرفيّ» الذي سمّاه الشيخ الأعظم قدس‌سره بـ «الجمع المقبول» ، (١) وغرضه المقبول عند العرف. ويسمّى «الجمع الدلاليّ». (٢)

وفي الحقيقة ـ كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك ـ أنّه بالجمع العرفيّ يخرج الدليلان عن التعارض. والوجه في ذلك أنّه إنّما نحكم بالتساقط ، أو التخيير ، أو الرجوع إلى العلاجات السنديّة ، حيث تكون هناك حيرة في الأخذ بهما معا. وفي موارد الجمع العرفيّ لا حيرة ، ولا تردّد.

وبعبارة أخرى : إنّه لمّا كان التعبّد بالمتنافيين مستحيلا فلا بدّ من العلاج ، إمّا بطرحهما ، أو بالتخيير بينهما ، أو بالرجوع إلى المرجّحات السنديّة ، وغيرها ، وأمّا : لو كان الدليلان متلائمين غير متنافيين بمقتضى الجمع العرفيّ المقبول فإنّ التعبّد بهما معا يكون تعبّدا بالمتلائمين ، فلا استحالة فيه ، ولا محذور حتى نحتاج إلى العلاج.

ويتّضح من ذلك أنّه في موارد الجمع لا تعارض ، وفي موارد التعارض لا جمع. وللجمع العرفيّ موارد لا بأس بالإشارة إلى بعضها للتدريب (٣) :

فمنها : ما إذا كان أحد الدليلين أخصّ من الآخر ، فإنّ الخاصّ مقدّم على العامّ ، ويوجب

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٨٠٤.

(٢) سمّاه بذلك المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٤ «القسم الثاني» : ١٣٩.

(٣) أي : التمرين.

التصرّف فيه ؛ لأنّه (١) بمنزلة القرينة عليه. (٢) وقد جرى البحث في أنّ الخاصّ مطلقا بما هو خاصّ مقدّم على العامّ ، أو إنّما يقدّم عليه لكونه أقوى ظهورا ، فلو كان العامّ أقوى ظهورا كان العامّ هو المقدّم؟ ومال الشيخ الأعظم قدس‌سره إلى الثاني ، (٣) كما جرى البحث في أنّ أصالة الظهور في الخاصّ حاكمة ، أو واردة على أصالة الظهور في العامّ ، أو أنّ في ذلك تفصيلا؟ ولا يهمّنا التعرّض إلى هذا البحث (٤) ؛ فإنّ المهمّ تقديم الخاصّ على العامّ على أيّ نحو كان من أنحاء التقديم.

ويلحق بهذا الجمع العرفيّ تقديم النصّ على الظاهر ، والأظهر على الظاهر ، فإنّها من باب واحد.

ومنها : ما إذا كان لأحد المتعارضين قدر متيقّن في الإرادة ، أو لكلّ منهما قدر متيقّن ، ولكن لا على أن يكون قدرا متيقّنا من اللفظ ، بل من الخارج ؛ لأنّه لو كان للّفظ قدر متيقّن فإنّ الدليلين يكونان من أوّل الأمر غير متعارضين ؛ إذ لا إطلاق حينئذ ، ولا عموم للّفظ ، فلا يكون ذلك من نوع الجمع العرفيّ للمتعارضين ؛ سالبة بانتفاء الموضوع ؛ إذ لا تعارض.

مثال القدر المتيقّن من الخارج ما إذا ورد «ثمن العذرة سحت» (٥) وورد أيضا «لا بأس ببيع العذرة» (٦) ، فإنّ عذرة الإنسان قدر متيقّن من الدليل الأوّل ، وعذرة مأكول اللحم قدر متيقّن من الثاني ، فهما من ناحية لفظيّة متباينان متعارضان ، ولكن لمّا كان لكلّ منهما قدر متيقّن فالتكاذب يكون بينهما بالنسبة إلى غير القدر المتيقّن ، فيحمل كلّ منهما على القدر المتيقّن ، فيرتفع التكاذب بينهما ، ويتلاءمان عرفا.

ومنها : ما إذا كان أحد العامّين من وجه بمرتبة لو اقتصر فيه على ما عدا مورد الاجتماع

__________________

(١) أي الخاصّ.

(٢) أي العامّ.

(٣) فرائد الأصول ٢ : ٧٥٦ ـ ٧٥٧.

(٤) وإن أردت الاطّلاع عليه فراجع : فوائد الأصول ٤ : ٧١٩ ـ ٧٢٥ ؛ نهاية الأفكار ٤ «القسم الثاني» : ١٣٩ ـ ١٤٣.

(٥) الوسائل ١٢ : ١٢٦ الباب ٤٠ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ١.

(٦) الوسائل ١٢ : ١٢٦ الباب ٤٠ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٣.