درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۷۵: مباحث حجت ۵۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الأمر الثاني : القاعدة الثانويّة للمتعادلين

قد تقدّم أنّ القاعدة الأوّليّة في المتعادلين هي التساقط ، (١) ولكن استفاضت الأخبار ، بل تواترت في عدم التساقط ، غير أنّ آراء الأصحاب اختلفت في استفادة نوع الحكم منها ؛ لاختلافها على ثلاثة أقوال : (٢)

١. التخيير في الأخذ بأحدهما ، وهو مختار المشهور ، (٣) بل نقل الإجماع عليه. (٤)

٢. التوقّف بما يرجع إلى الاحتياط في العمل ، ولو كان الاحتياط مخالفا لهما ، كالجمع بين القصر والإتمام في مورد تعارض الأدلّة بالنسبة إليهما.

وإنّما كان التوقّف يرجع إلى الاحتياط ؛ لأنّ التوقّف يراد منه التوقّف في الفتوى على طبق أحدهما ، وهذا يستلزم الاحتياط في العمل ، كما في المورد الفاقد للنصّ مع العلم الإجماليّ بالحكم.

٣. وجوب الأخذ بما طابق منهما الاحتياط ، فإن لم يكن فيهما ما يطابق الاحتياط تخيّر بينهما.

ولا بدّ من النظر في الأخبار لاستظهار الأصحّ من الأقوال. وقبل النظر فيها ينبغي الكلام عن إمكان صحّة هذه الأقوال جملة ، بعد ما سبق من تحقيق أنّ القاعدة الأوّليّة بحكم العقل هي التساقط ، فكيف يصحّ الحكم بعدم تساقطهما حينئذ؟! وأكثرها إشكالا هو القول بالتخيير بينهما ؛ للمنافاة الظاهرة بين الحكم بتساقطهما ، وبين الحكم بالتخيير.

نقول في الجواب عن هذا السؤال : إنّه إذا فرضت قيام الإجماع ، ونهوض الأخبار على عدم تساقط المتعارضين ، فإنّ ذلك يكشف عن جعل جديد من قبل الشارع لحجّيّة أحد

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ٥٥٨.

(٢) بل هي ستّة أقوال ، كما في بدائع الأفكار (للمحقّق الرشتي) : ٤٢٢.

(٣) فراجع معارج الأصول : ١٥٦ ؛ مبادئ الوصول : ٢٣٣ ؛ الفصول : ٤٥٤ ؛ مناهج الأحكام : ٣١٧ ، قوانين الأصول ٢ : ٢٨٣ ؛ فرائد الأصول ٢ : ٧٦٢ ، وغيرها من كتب المتأخّرين.

(٤) والناقل هو المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٥٠٢.

الخبرين بالفعل لا على التعيين ، وهذا الجعل الجديد لا ينافي ما قلناه سابقا من سرّ تساقط المتعارضين ؛ بناء على الطريقيّة ؛ لأنّه إنّما حكمنا بالتساقط من جهة قصور دلالة أدلّة حجّيّة الأمارة عن شمولها للمتعارضين ، أو لأحدهما لا على التعيين ، ولكن لا يقدح في ذلك أن يرد دليل خاصّ يتضمّن بيان حجّيّة أحدهما غير المعيّن بجعل جديد ، لا بنفس الجعل الأوّل الذي تتضمّنه الأدلّة العامّة.

ولا يلزم من ذلك ـ كما قيل (١) ـ أن تكون الأمارة حينئذ مجعولة على نحو السببيّة ، فإنّه إنّما يلزم ذلك لو كان عدم التساقط باعتبار الجعل الأوّل.

وبعبارة أخرى أوضح : إنّه لو خلّينا نحن والأدلّة العامّة الدالّة على حجّيّة الأمارة فإنّه لا يبقى دليل لنا على حجّيّة أحد المتعارضين ؛ لقصور تلك الأدلّة عن شمولها لهما ، فلا بدّ من الحكم بعدم حجّيّتهما معا. أمّا : لو فرض قيام دليل خاصّ في صورة التعارض بالخصوص على حجّيّة أحدهما فلا بدّ من الأخذ به ، ويدلّ على حجّيّة أحدهما بجعل جديد ، ولا مانع عقليّ من ذلك.

وعلى هذا ، فالقاعدة المستفادة من هذا الدليل الخاصّ قاعدة ثانويّة مجعولة من قبل الشارع ، بعد أن كانت القاعدة الأوّليّة بحكم العقل هي التساقط.

بقي علينا أن نفهم معنى التخيير على تقدير القول به ، بعد أن بيّنّا سابقا أنّه لا معنى للتخيير بين المتعارضين من جهة الحجّيّة ، ولا من جهة الواقع ، فنقول :

إنّ معنى التخيير بمقتضى هذا الدليل الخاصّ أنّ كلّ واحد من المتعارضين منجّز للواقع على تقدير إصابته للواقع ، ومعذّر للمكلّف على تقدير الخطأ ، وهذا هو معنى الجعل الجديد الذي قلناه ، فللمكلّف أن يختار ما يشاء منهما ، فإن أصاب الواقع فقد تنجّز به وإلاّ فهو معذور. وهذا بخلاف ما لو كنّا نحن والأدلّة العامّة ، فإنّه لا منجّزيّة لأحدهما غير المعيّن ولا معذّريّة له.

والشاهد على ذلك أنّه بمقتضى هذا الدليل الخاصّ لا يجوز ترك العمل بهما معا ؛ لأنّه

__________________

(١) والقائل الشيخ الأنصاري في فرائد الأصول ٢ : ٧٦٣.

على تقدير الخطأ في تركهما لا معذّر له في مخالفة الواقع ، بينما أنّه معذور في مخالفة الواقع لو أخذ بأحدهما. وهذا بخلاف ما لو لم يكن هذا الدليل الخاصّ موجودا ، فإنّه يجوز له ترك العمل بهما معا ، وإن استلزم مخالفة الواقع ؛ إذ لا منجّز للواقع بالمتعارضين بمقتضى الأدلّة العامّة.

إذا عرفت ما ذكرنا فلنذكر لك أخبار الباب ليتّضح الحقّ في المسألة ، فإنّ منها : ما يدلّ على التخيير مطلقا ، ومنها : ما يدلّ على التخيير في صورة التعادل ، ومنها : ما يدلّ على التوقّف. ثمّ نعقب عليها بما يقتضي ، فنقول : إنّ الذي عثرنا عليه من الأخبار هو كما يلي :

١. خبر الحسن بن الجهم عن الرضا عليه‌السلام : قلت : يجيئنا الرجلان ـ وكلاهما ثقة ـ بحديثين مختلفين ، فلا نعلم أيّهما الحقّ؟ قال : «فإذا لم تعلم ، فموسّع عليك بأيّهما أخذت». (١)

وهذا الحديث بهذا المقدار منه ظاهر في التخيير بين المتعارضين مطلقا ، ولكن صدره ـ الذي لم نذكره (٢) ـ مقيّد بالعرض على الكتاب ، والسنّة ، فهو يدلّ على أنّ التخيير إنّما هو بعد فقدان المرجّح ، ولو في الجملة. (٣)

٢. خبر الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «إذا سمعت من أصحابك الحديث ، وكلّهم ثقة فموسّع عليك ، حتى ترى القائم فتردّ عليه». (٤)

وهذا الخبر أيضا يستظهر منه التخيير مطلقا من كلمة «فموسّع عليك» ، ويقيّد بالروايات الآتية الدالّة على الترجيح.

ولكن يمكن أن يناقش في استظهار التخيير منه :

أوّلا : بأنّ الخبر وارد في فرض التمكّن من لقاء الإمام والأخذ منه ، فلا يعلم شموله لحال الغيبة الذي يهمّنا إثباته ؛ لأنّ الرخصة في التخيير مدّة قصيرة لا تستلزم الرّخصة فيه أبدا ولا تدلّ عليها. (٥)

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٨ : ٨٧ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، ح ٤٠.

(٢) وهو قوله عليه‌السلام : «ما جاءك عنّا فقس على كتاب الله وأحاديثنا».

(٣) هكذا ناقش فيه المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ٣ : ٣٦١ ـ ٣٦٢.

(٤) وسائل الشيعة ١٨ : ٨٧ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، ح ٤١.

(٥) بهذا ناقش فيه المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ٣ : ٣٦٣.