درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۷۶: مباحث حجت ۵۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

على تقدير الخطأ في تركهما لا معذّر له في مخالفة الواقع ، بينما أنّه معذور في مخالفة الواقع لو أخذ بأحدهما. وهذا بخلاف ما لو لم يكن هذا الدليل الخاصّ موجودا ، فإنّه يجوز له ترك العمل بهما معا ، وإن استلزم مخالفة الواقع ؛ إذ لا منجّز للواقع بالمتعارضين بمقتضى الأدلّة العامّة.

إذا عرفت ما ذكرنا فلنذكر لك أخبار الباب ليتّضح الحقّ في المسألة ، فإنّ منها : ما يدلّ على التخيير مطلقا ، ومنها : ما يدلّ على التخيير في صورة التعادل ، ومنها : ما يدلّ على التوقّف. ثمّ نعقب عليها بما يقتضي ، فنقول : إنّ الذي عثرنا عليه من الأخبار هو كما يلي :

١. خبر الحسن بن الجهم عن الرضا عليه‌السلام : قلت : يجيئنا الرجلان ـ وكلاهما ثقة ـ بحديثين مختلفين ، فلا نعلم أيّهما الحقّ؟ قال : «فإذا لم تعلم ، فموسّع عليك بأيّهما أخذت». (١)

وهذا الحديث بهذا المقدار منه ظاهر في التخيير بين المتعارضين مطلقا ، ولكن صدره ـ الذي لم نذكره (٢) ـ مقيّد بالعرض على الكتاب ، والسنّة ، فهو يدلّ على أنّ التخيير إنّما هو بعد فقدان المرجّح ، ولو في الجملة. (٣)

٢. خبر الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «إذا سمعت من أصحابك الحديث ، وكلّهم ثقة فموسّع عليك ، حتى ترى القائم فتردّ عليه». (٤)

وهذا الخبر أيضا يستظهر منه التخيير مطلقا من كلمة «فموسّع عليك» ، ويقيّد بالروايات الآتية الدالّة على الترجيح.

ولكن يمكن أن يناقش في استظهار التخيير منه :

أوّلا : بأنّ الخبر وارد في فرض التمكّن من لقاء الإمام والأخذ منه ، فلا يعلم شموله لحال الغيبة الذي يهمّنا إثباته ؛ لأنّ الرخصة في التخيير مدّة قصيرة لا تستلزم الرّخصة فيه أبدا ولا تدلّ عليها. (٥)

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٨ : ٨٧ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، ح ٤٠.

(٢) وهو قوله عليه‌السلام : «ما جاءك عنّا فقس على كتاب الله وأحاديثنا».

(٣) هكذا ناقش فيه المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ٣ : ٣٦١ ـ ٣٦٢.

(٤) وسائل الشيعة ١٨ : ٨٧ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، ح ٤١.

(٥) بهذا ناقش فيه المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ٣ : ٣٦٣.

ثانيا : بأنّ الخبر غير ظاهر في فرض التعارض ، بل ربّما يكون واردا لبيان حجّيّة الحديث الذي يرويه الثقات من الأصحاب. ومعنى «موسّع عليك» الرخصة بالأخذ به ؛ كناية عن حجّيّته ، غاية الأمر أنّه يدلّ على أنّ الرخصة مغيّاة برؤية الإمام ليأخذ منه الحكم على سبيل اليقين. وهذا أمر لا بدّ منه في كلّ حجّة ظنّيّة ، وإن كانت عامّة حتى لزمان حضور الإمام إلاّ أنّه مع حصول اليقين بمشافهته لا بدّ أن ينتهي أمد جواز العمل بها.

وعليه ، فلا شاهد بهذا الخبر على ما نحن فيه.

٣. مكاتبة عبد الله بن محمّد إلى أبي الحسن عليه‌السلام : اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله عليه‌السلام في ركعتي الفجر في السفر ، فروى بعضهم : أن صلّهما في المحمل ، وروى بعضهم : أن لا تصلّهما إلاّ على الأرض ، فاعلمني كيف تصنع أنت لأقتدي بك في ذلك؟. فوقّع عليه‌السلام : «موسّع عليك بأيّة عملت». (١)

وهذه أيضا استظهروا منها التخيير مطلقا ، وتحمل على المقيّدات كالثانية.

ولكن يمكن الناقشة في هذا الاستظهار بأنّه من المحتمل أن يراد من التوقيع بيان التخيير في العمل بكلّ من المرويّين باعتبار أنّ الحكم الواقعيّ هو جواز صلاة ركعتي الفجر في السفر في المحمل وعلى الأرض معا ، لا أنّ المراد التخيير بين الروايتين ، فيكون الغرض تخطئة الروايتين.

وهو احتمال قريب جدّا ، لا سيّما أنّ السؤال لم يكن عن كيفيّة العمل بالمتعارضين ، بل السؤال عن كيفيّة عمل الإمام ليقتدي به ـ أي إنّه سؤال عن حكم صلاة ركعتي الفجر ، لا عن حكم المتعارضين ـ ، والجواب ينبغي أن يطابق السؤال ، فكيف صحّ أن يحمل على بيان كيفيّة العمل بالمتعارضين؟! وعليه ، فلا يكون في هذا الخبر أيضا شاهد على ما نحن فيه كالخبر الثاني.

٤. جواب مكاتبة الحميري إلى الحجّة ـ عجّل الله فرجه ـ : «في ذلك حديثان : أمّا أحدهما : فإنّه إذا انتقل من حالة إلى أخرى فعليه التكبير. وأمّا [الحديث] الآخر : فإنّه روي

__________________

(١) تهذيب الأحكام ٣ : ٢٥١ ح ٥٨٣.