درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۷۷: مباحث حجت ۵۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ثانيا : بأنّ الخبر غير ظاهر في فرض التعارض ، بل ربّما يكون واردا لبيان حجّيّة الحديث الذي يرويه الثقات من الأصحاب. ومعنى «موسّع عليك» الرخصة بالأخذ به ؛ كناية عن حجّيّته ، غاية الأمر أنّه يدلّ على أنّ الرخصة مغيّاة برؤية الإمام ليأخذ منه الحكم على سبيل اليقين. وهذا أمر لا بدّ منه في كلّ حجّة ظنّيّة ، وإن كانت عامّة حتى لزمان حضور الإمام إلاّ أنّه مع حصول اليقين بمشافهته لا بدّ أن ينتهي أمد جواز العمل بها.

وعليه ، فلا شاهد بهذا الخبر على ما نحن فيه.

٣. مكاتبة عبد الله بن محمّد إلى أبي الحسن عليه‌السلام : اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله عليه‌السلام في ركعتي الفجر في السفر ، فروى بعضهم : أن صلّهما في المحمل ، وروى بعضهم : أن لا تصلّهما إلاّ على الأرض ، فاعلمني كيف تصنع أنت لأقتدي بك في ذلك؟. فوقّع عليه‌السلام : «موسّع عليك بأيّة عملت». (١)

وهذه أيضا استظهروا منها التخيير مطلقا ، وتحمل على المقيّدات كالثانية.

ولكن يمكن الناقشة في هذا الاستظهار بأنّه من المحتمل أن يراد من التوقيع بيان التخيير في العمل بكلّ من المرويّين باعتبار أنّ الحكم الواقعيّ هو جواز صلاة ركعتي الفجر في السفر في المحمل وعلى الأرض معا ، لا أنّ المراد التخيير بين الروايتين ، فيكون الغرض تخطئة الروايتين.

وهو احتمال قريب جدّا ، لا سيّما أنّ السؤال لم يكن عن كيفيّة العمل بالمتعارضين ، بل السؤال عن كيفيّة عمل الإمام ليقتدي به ـ أي إنّه سؤال عن حكم صلاة ركعتي الفجر ، لا عن حكم المتعارضين ـ ، والجواب ينبغي أن يطابق السؤال ، فكيف صحّ أن يحمل على بيان كيفيّة العمل بالمتعارضين؟! وعليه ، فلا يكون في هذا الخبر أيضا شاهد على ما نحن فيه كالخبر الثاني.

٤. جواب مكاتبة الحميري إلى الحجّة ـ عجّل الله فرجه ـ : «في ذلك حديثان : أمّا أحدهما : فإنّه إذا انتقل من حالة إلى أخرى فعليه التكبير. وأمّا [الحديث] الآخر : فإنّه روي

__________________

(١) تهذيب الأحكام ٣ : ٢٥١ ح ٥٨٣.

أنّه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية ، وكبّر ، ثمّ جلس ، ثمّ قام ، فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير. وكذلك التشهّد الأوّل يجري هذا المجرى. وبأيّهما أخذت من باب التسليم كان صوابا». (١)

وهذا الجواب أيضا استظهروا منه التخيير مطلقا ، ويحمل على المقيّدات.

ولكنّه أيضا يناقش في هذا الاستظهار بأنّ من المحتمل قريبا أنّ المراد بيان التخيير في العمل بالتكبير لبيان عدم وجوبه ، لا التخيير بين المتعارضين. ويشهد لذلك التعبير بقوله : «كان صوابا» ؛ لأنّ المتعارضين لا يمكن أن يكون كلّ واحد منهما صوابا ، ثمّ لا معنى لجواب الإمام عن السؤال عن الحكم الواقعيّ بذكر روايتين متعارضتين ، ثمّ العلاج بينهما ، إلاّ لبيان خطأ الروايتين ، وأنّ الحكم الواقعيّ على خلافهما.

٥. مرفوعة زرارة ، المرويّة عن «عوالي اللآلئ» ، وقد جاء في آخرها : «إذن فتخيّر أحدهما ، فتأخذ به وتدع الآخر». (٢)

ولا شكّ في ظهور هذه الفقرة منها في وجوب التخيير بين المتعارضين ، وفي أنّه بعد فرض التعادل ؛ لأنّها جاءت بعد ذكر المرجّحات وفرض انعدامها.

ولكنّ الشأن في صحّة سندها ، وسيأتي التعرّض له. وهي من أهمّ أخبار الباب من جهة مضمونها.

٦. خبر سماعة عن أبي عبد الله عليه‌السلام : قال : سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر ، كلاهما يرويه : أحدهما يأمر بأخذه ، والآخر ينهاه عنه ، كيف يصنع؟ فقال عليه‌السلام : «يرجئه حتى يلقى من يخبره ، فهو في سعة حتى يلقاه» (٣).

وقد استظهروا من قوله عليه‌السلام : «فهو في سعة» التخيير مطلقا.

وفيه أوّلا : أنّ الرواية واردة في فرض التمكّن من لقاء الإمام ، أو كلّ من يخبره بالحكم على سبيل اليقين من نوّاب الإمام خصوصا أو عموما. فهي تشبه من هذه الناحية الرواية

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٨ : ٨٧ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٩.

(٢) عوالي اللآلئ ٤ : ١٣٣ ح ٢٢٩.

(٣) وسائل الشيعة ١٨ : ٧٧ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٥.

الثانية المتقدّمة. (١)

وثانيا : أنّ الأولى فيها أن تجعل من أدلّة التوقّف ، لا التخيير ، (٢) وذلك لكلمة «يرجئه».

وأمّا قوله : «في سعة» فالظاهر أنّ المراد به التخيير بين الفعل والترك ، باعتبار أنّ الأمر حسب فرض السؤال يدور بين المحذورين ، وهو الوجوب والحرمة ؛ إذن فليس المقصود منه التخيير بين الروايتين ، لا سيّما أنّ ذلك لا يلتئم مع الأمر بالإرجاء ؛ لأنّ العمل بأحدهما تخييرا ليس إرجاء ، بل الإرجاء ترك العمل بهما معا.

فلا دلالة لهذه الرواية على التخيير بين المتعارضين.

٧. وقال الكليني بعد تلك الرواية : «وفي رواية أخرى : «بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك» (٣).

يظهر منه (٤) أنّها رواية أخرى ، لا أنّها نصّ آخر في الجواب عن نفس السؤال في الرواية المتقدّمة ، وإلاّ لكان المناسب أن يقول : «بأيّهما أخذ» بالضمير الغائب ، لا «بأيّهما أخذت» بنحو الخطاب.

وظاهرها الحكم بالتخيير بين المتعارضين مطلقا ، ويحمل على المقيّدات.

٨. ما في «عيون أخبار الرضا» للصدوق في خبر طويل ، جاء في آخره :

«فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعا ، أو بأيّهما شئت ، وسعك الاختيار من باب التسليم ، والاتّباع ، والردّ إلى رسول الله» (٥).

والظاهر من هذه الفقرة هو التخيير بين المتعارضين ، إلاّ أنّه بملاحظة صدرها وذيلها يمكن أن يستظهر منها إرادة التخيير في العمل بالنسبة إلى ما أخبر عن حكمه أنّه على نحو الكراهة ، ولذا أنّها ـ فيما يتعلّق بالإخبار عن الحكم الإلزاميّ ـ صرّحت بلزوم العرض على الكتاب والسنّة ، (٦) لا سيّما وقد أعقب تلك الفقرة التي نقلناها قوله عليه‌السلام : «وما لم تجدوه في

__________________

(١ و ٢). كما في نهاية الدراية ٣ : ٣٦٤.

(٣) الكافي ١ : ٥٣.

(٤) أي ممّا قال الكليني.

(٥) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ٢٤ ؛ وسائل الشيعة ١٨ : ٨٢ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢١.

(٦) كذا قال المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ٣ : ٣٦٣ ـ ٣٦٤.

شيء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه ، فنحن أولى بذلك ، ولا تقولوا فيه بآرائكم ، وعليكم بالكفّ ، والتثبّت ، والوقوف ، وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا».

وهذه الفقرات صريحة في وجوب التوقّف ، والتربّث (١) ، وعليه ، فالأجدر بهذه الرواية أن تجعل من أدلّة التوقّف ، لا التخيير.

٩. مقبولة عمر بن حنظلة ، الآتي ذكرها في المرجّحات ، وقد جاء في آخرها : «إذا كان ذلك ـ أي فقدت المرجّحات ـ فأرجئه حتى تلقى إمامك ؛ فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات». (٢)

وهذه ظاهرة في وجوب التوقّف عند التعادل.

١٠. خبر سماعة عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قلت : يرد علينا حديثان : واحد يأمرنا بالأخذ به ، والآخر ينهانا عنه؟ قال : «لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك ، فتسأله». قلت : لا بدّ أن نعمل بأحدهما. قال : «خذ بما فيه خلاف العامّة» (٣).

١١. مرسلة صاحب عوالي اللآلئ ـ على ما نقل عنه ـ ، فإنّه بعد روايته المرفوعة المتقدّمة بالرقم (٥) قال : وفي رواية أنّه قال عليه‌السلام : «إذن فأرجئه حتى تلقى إمامك فتسأله». (٤)

هذه جملة ما عثرت عليه من الروايات فيما يتعلّق بالتخيير أو التوقّف. والظاهر منها ـ بعد ملاحظة أخبار الترجيح الآتية ، وبعد ملاحظة مقيّداتها بصورة فقدان المرجّح ، ولو في الجملة ـ أنّ الرجوع إلى التخيير ، أو التوقّف بعد فقد المرجّحات ، فتحمل مطلقاتها على مقيّداتها.

والخلاصة أنّ المتحصّل منها جميعا أنّه يجب أوّلا ملاحظة المرجّحات بين المتعارضين ، فإن لم تتوفّر المرجّحات ، فالقاعدة هي التخيير ، أو التوقّف على حسب استفادتنا من الأخبار ، لا أنّ القاعدة التخيير أو التوقّف في كلّ متعارضين وإن كان فيهما

__________________

(١) وهو ضدّ العجلة.

(٢) الكافي ١ : ٦٧.

(٣) وسائل الشيعة ١٨ : ٨٨ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤١.

(٤) عوالي اللآلئ ٤ : ١٣٣.