درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۸۰: مباحث حجت ۶۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

أصحابك ، فيؤخذ به من حكمنا ، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه. وإنّما الأمور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتّبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب ، وأمر مشكل يردّ علمه إلى الله ورسوله. قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : حلال بيّن ، وحرام بيّن ، وشبهات بين ذلك ، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات ، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات ، وهلك من حيث لا يعلم».

قلت : فإن كان الخبران عنكما (١) مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟

قال : «ينظر ، فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة ، وخالف العامّة فيؤخذ به ، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنّة ، ووافق العامّة».

قلت : ـ جعلت فداك ـ أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب ، والسنّة ، ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة والآخر مخالفا لهم ، بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال : «ما خالف العامّة ففيه الرشاد».

قلت : ـ جعلت فداك ـ فإن وافقهم الخبران جميعا؟

قال : «انظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم وقضاتهم فيترك ، ويؤخذ بالآخر».

قلت : فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟

قال : «إذا كان ذلك فأرجه (٢) (وفي بعض النسخ : فأرجئه (٣)) ، حتى تلقى إمامك ، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات». انتهت المقبولة.

أقول : (٤) من الواضح أنّ موردها التعارض بين الحاكمين ، لا بين الراويين ، ولكن لمّا كان الحكم والفتوى في الصدر الأوّل يقعان بنصّ الأحاديث ـ لا أنّهما يقعان بتعبير من الحاكم ، أو المفتي ، كالعصور المتأخّرة استنباطا من الأحاديث ـ تعرّضت هذه المقبولة للرواية والراوي ؛ لارتباط الرواية بالحكم. ومن هنا استدلّ بها على الترجيح للروايات المتعارضة.

غير أنّه ـ مع ذلك ـ لا يجعلها شاهدة على ما نحن فيه. والسرّ في ذلك واضح ؛ لأنّ

__________________

(١) أي : الباقر والصادق عليهما‌السلام. ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢ و ٣). أي : أخّره.

(٤) كما قال به المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٣ : ٣٦٦ ـ ٣٦٧.

اعتبار شيء في الراوي بما هو حاكم غير اعتباره فيه بما هو راو ومحدّث ، والمفهوم من المقبولة أنّ ترجيح الأعدل ، والأورع ، والأفقه إنّما هو بما هو حاكم في مقام نفوذ حكمه ، لا في مقام قبول روايته.

ويشهد لذلك أنّها جعلت من جملة المرجّحات كونه «أفقه» في عرض كونه «أعدل» و «أصدق» في الحديث. ولا ربط للأفقهيّة بترجيح الرواية من جهة كونها رواية.

نعم ، إنّ المقبولة انتقلت بعد ذلك إلى الترجيح للرواية بما هي رواية ابتداء من الترجيح بالشهرة ، وإن كان ذلك من أجل كونها سندا لحكم الحاكم ، فإنّ هذا أمر آخر غير الترجيح لنفس الحكم وبيان نفوذه.

وعليه ، فالمقبولة لا دليل فيها على الترجيح بالصفات. وأمّا : الترجيح بالشهرة وما يليها فسيأتي الكلام عنه.

ويؤيّد هذا الاستنتاج أنّ صاحب «الكافي» لم يذكر في مقدّمة كتابه (١) الترجيح بصفات الراوي.

٣. الترجيح بالشهرة

تقدّم أنّ الشهرة ليست حجّة في نفسها ، (٢) وأمّا : إذا كانت مرجّحة للرواية ـ على القول به ـ فلا ينافي عدم حجّيّتها في نفسها.

والشهرة المرجّحة على نحوين : شهرة عمليّة ، وهي الشهرة الفتوائيّة المطابقة للرواية.

وشهرة في الرواية ، وإن لم يكن العمل على طبقها مشهورا.

أمّا الأولى : فلم يرد فيها من الأخبار ما يدلّ على الترجيح بها ، فإذا قلنا بالترجيح بها فلا بدّ أن يكون بمناط وجوب الترجيح بكلّ ما يوجب الأقربيّة إلى الواقع ـ على ما سيأتي وجهه ـ ، غاية الأمر أنّ تقوية الرواية بالعمل بها يشترط فيها أمران :

١. أن يعرف استناد الفتوى إليها ؛ إذ لا يكفي مجرّد مطابقة فتوى المشهور للرواية في

__________________

(١) راجع الكافي ١ : ٥٧ ، باب اختلاف الحديث من كتاب فضل العلم.

(٢) تقدّم في الصفحة : ٥٠٩.

الوثوق بأقربيّتها إلى الواقع.

٢. أن تكون الشهرة العمليّة قديمة ـ أي واقعة في عصر الأئمّة عليهم‌السلام ، أو العصر الذي يليه الذي تمّ فيه جمع الأخبار وتحقيقها ـ. أمّا : الشهرة في العصور المتأخّرة فيشكل تقوية الرواية بها.

هذا من جهة الترجيح بالشهرة العمليّة في مقام التعارض ، أمّا : من جهة جبر الشهرة للخبر الضعيف ، مع قطع النظر عن وجود ما يعارضه فقد وقع نزاع للعلماء فيه. والحقّ (١) أنّها جابرة له إذا كانت قديمة أيضا ؛ لأنّ العمل بالخبر عند المشهور من القدماء ممّا يوجب الوثوق بصدوره. والوثوق هو المناط في حجّيّة الخبر ـ كما تقدّم ـ ، وبالعكس من ذلك إعراض الأصحاب عن الخبر ؛ فإنّه يوجب وهنه ، وإن كان راويه ثقة ، وكان قويّ السند ، بل كلّما قوي سند الخبر فأعرض عنه الأصحاب كان ذلك أكثر دلالة على وهنه.

وأمّا الثانية : ـ وهي الشهرة في الرواية ـ فإنّ إجماع المحقّقين قائم على الترجيح بها ، وقد دلّت عليه المقبولة المتقدّمة ، وقد جاء فيها «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه». والمقصود من «المجمع عليه» ، المشهور ، بدليل فهم السائل ذلك ؛ إذ عقّبه بالسؤال : «فإن كان الخبران عنكما مشهورين». ولا معنى لأن يراد من الشهرة الإجماع.

وقد يقال (٢) : إنّ شهرة الرواية في عصر الأئمّة عليهم‌السلام توجب كون الخبر مقطوع الصدور ، وعلى الأقلّ توجب كونه موثوقا بصدوره. وإذا كان كذلك فالشاذّ المعارض له ، إمّا مقطوع العدم ، أو موثوق بعدمه ، فلا تعمّه أدلّة حجّيّة الخبر. وعليه ، فيخرج اقتضاء الشهرة في الرواية عن مسألة ترجيح إحدى الحجّتين ، بل تكون لتمييز الحجّة عن اللاحجّة.

والجواب (٣) : أنّ الشاذّ المقطوع العدم لا يدخل في مسألتنا قطعا ، وأمّا : الموثوق بعدمه من جهة حصول الثقة الفعليّة بمعارضه فلا يضرّ ذلك في كونه مشمولا لأدلّة حجّيّة الخبر ؛ لأنّ الظاهر كفاية وثاقة الراوي في قبول خبره ، من دون إناطة بالوثوق الفعليّ بخبره.

__________________

(١) كما في فوائد الأصول ٤ : ٧٨٧ ـ ٧٨٩.

(٢) والقائل المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٥٠٩.

(٣) كما في نهاية الدراية ٣ : ٣٧١.