درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۸۱: مباحث حجت ۶۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الوثوق بأقربيّتها إلى الواقع.

٢. أن تكون الشهرة العمليّة قديمة ـ أي واقعة في عصر الأئمّة عليهم‌السلام ، أو العصر الذي يليه الذي تمّ فيه جمع الأخبار وتحقيقها ـ. أمّا : الشهرة في العصور المتأخّرة فيشكل تقوية الرواية بها.

هذا من جهة الترجيح بالشهرة العمليّة في مقام التعارض ، أمّا : من جهة جبر الشهرة للخبر الضعيف ، مع قطع النظر عن وجود ما يعارضه فقد وقع نزاع للعلماء فيه. والحقّ (١) أنّها جابرة له إذا كانت قديمة أيضا ؛ لأنّ العمل بالخبر عند المشهور من القدماء ممّا يوجب الوثوق بصدوره. والوثوق هو المناط في حجّيّة الخبر ـ كما تقدّم ـ ، وبالعكس من ذلك إعراض الأصحاب عن الخبر ؛ فإنّه يوجب وهنه ، وإن كان راويه ثقة ، وكان قويّ السند ، بل كلّما قوي سند الخبر فأعرض عنه الأصحاب كان ذلك أكثر دلالة على وهنه.

وأمّا الثانية : ـ وهي الشهرة في الرواية ـ فإنّ إجماع المحقّقين قائم على الترجيح بها ، وقد دلّت عليه المقبولة المتقدّمة ، وقد جاء فيها «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه». والمقصود من «المجمع عليه» ، المشهور ، بدليل فهم السائل ذلك ؛ إذ عقّبه بالسؤال : «فإن كان الخبران عنكما مشهورين». ولا معنى لأن يراد من الشهرة الإجماع.

وقد يقال (٢) : إنّ شهرة الرواية في عصر الأئمّة عليهم‌السلام توجب كون الخبر مقطوع الصدور ، وعلى الأقلّ توجب كونه موثوقا بصدوره. وإذا كان كذلك فالشاذّ المعارض له ، إمّا مقطوع العدم ، أو موثوق بعدمه ، فلا تعمّه أدلّة حجّيّة الخبر. وعليه ، فيخرج اقتضاء الشهرة في الرواية عن مسألة ترجيح إحدى الحجّتين ، بل تكون لتمييز الحجّة عن اللاحجّة.

والجواب (٣) : أنّ الشاذّ المقطوع العدم لا يدخل في مسألتنا قطعا ، وأمّا : الموثوق بعدمه من جهة حصول الثقة الفعليّة بمعارضه فلا يضرّ ذلك في كونه مشمولا لأدلّة حجّيّة الخبر ؛ لأنّ الظاهر كفاية وثاقة الراوي في قبول خبره ، من دون إناطة بالوثوق الفعليّ بخبره.

__________________

(١) كما في فوائد الأصول ٤ : ٧٨٧ ـ ٧٨٩.

(٢) والقائل المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٥٠٩.

(٣) كما في نهاية الدراية ٣ : ٣٧١.

وقد تقدّم في حجّيّة خبر الثقة أنّه لا يشترط حصول الظنّ الفعليّ به ، ولا عدم الظنّ بخلافه. (١)

٤. الترجيح بموافقة الكتاب :

في ذلك روايات كثيرة :

منها : مقبولة ابن حنظلة المتقدّمة.

ومنها : خبر الحسن بن الجهم المتقدّم. فقد جاء في صدره : قلت له : تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ قال : «ما جاءك عنّا فقسه على كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ وأحاديثنا ، فإن كان يشبههما فهو منّا ، وإن لم يكن يشبههما فليس منّا».

قال في «الكفاية» : «إنّ في كون أخبار موافقة الكتاب أو مخالفة القوم من أخبار الباب نظرا ، وجهه قوّة احتمال أن يكون الخبر المخالف للكتاب في نفسه غير حجّة ، بشهادة ما ورد في أنّه زخرف وباطل ، وليس بشيء ، أو أنّه لم نقله ، أو أمر بطرحه على الجدار ...» (٢).

أقول (٣) : في مسألة موافقة الكتاب ، ومخالفته طائفتان من الأخبار :

الأولى : في بيان مقياس أصل حجّيّة الخبر ، لا في مقام المعارضة بغيره ، وهي التي ورد فيها التعبيرات المذكورة في «الكفاية» : «إنّه زخرف وباطل ...» إلى آخره (٤). فلا بدّ أن تحمل هذه الطائفة على المخالفة لصريح الكتاب ؛ لأنّه هو الذي يصحّ وصفه بأنّه زخرف وباطل ، ونحوهما.

والثانية : في بيان ترجيح أحد المتعارضين. وهذه لم يرد فيها مثل تلك التعبيرات ، وقد قرأت بعضها. وينبغي أن تحمل على المخالفة لظاهر الكتاب ، لا لنصّه ، لا سيّما أنّ مورد بعضها ـ مثل المقبولة ـ في الخبر الذي لو كان وحده لأخذ به ، وإنّما المانع من الأخذ به وجود المعارض ؛ إذ الأمر بالأخذ بالموافق وترك المخالف وقع في المقبولة ، بعد

__________________

(١) تقدّم في الصفحتين : ٤٩٥ ـ ٤٩٧.

(٢) كفاية الأصول : ٥٠٥.

(٣) هذا الجواب أيضا أفاده المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٣ : ٣٧٣ واستفاد منه تلميذه المصنّف في المقام.

(٤) راجع : وسائل الشيعة ١٨ : ٧٥ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي.

فرض كونهما مشهورين قد رواهما الثقات ، ثمّ فرض السائل موافقتهما معا للكتاب بعد ذلك ؛ إذ قال : «فإن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب ، والسنّة». ولا يكون ذلك إلاّ الموافقة لظاهره ، وإلاّ لزم وجود نصّين متباينين في الكتاب ، كلّ ذلك يدلّ على أنّ المراد من مخالفة الكتاب في المقبولة مخالفة الظاهر ، لا النصّ.

ويشهد لما قلناه أيضا ما جاء في خبر الحسن ، المتقدّم : «فإن كان يشبههما فهو منّا» ؛ فإنّ التعبير بكلمة «يشبههما» يشير إلى أنّ المراد الموافقة والمخالفة للظاهر.

٥. مخالفة العامّة

إنّ الأخبار المطلقة الآمرة بالأخذ بما خالف العامّة وترك ما وافقها كلّها منقولة عن رسالة للقطب الراونديّ ، (١) وقد نقل (٢) عن الفاضل النراقيّ أنّه قال : «إنّها غير ثابتة عن القطب ثبوتا شائعا ، فلا حجّية فيما نقل عنها».

وهناك رواية مرسلة عن «الاحتجاج» (٣) تقدّمت في الرقم (١٠) (٤) لا حجّيّة فيها ؛ لضعفها بالإرسال. فينحصر الدليل في المقبولة المتقدّمة (٥) ، وظاهرها ـ كما سبق قريبا ـ أنّ الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامّة ، بعد فرض حجّيّة الخبرين في أنفسهما ، فتدلّ على الترجيح ، لا على التمييز كما قيل. (٦)

والنتيجة أنّ المستفاد من الأخبار أنّ المرجّحات المنصوصة ثلاثة : الشهرة ، وموافقة الكتاب والسنّة ، ومخالفة العامّة. وهذا ما استفاده الشيخ الكلينيّ قدس‌سره في مقدّمة «الكافي». (٧)

__________________

(١) والناقل صاحب الوسائل في : وسائل الشيعة ١٨ : ٨٤ ـ ٨٥.

(٢) والناقل المحقّق الأصفهانيّ في : نهاية الدراية ٣ : ٣٧٤.

(٣) الاحتجاج ٢ : ٣٥٧.

(٤) تقدّمت في الصفحة ٥٧٥.

(٥) أي مقبولة ابن حنظلة.

(٦) أي كما قيل بدلالتها على تمييز الحجّة عن اللاحجّة. والقائل هو المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٥٠٦.

(٧) الكافي ١ : ٥٧ ، باب اختلاف الحديث من كتاب فضل العلم.