درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۸۲: مباحث حجت ۶۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المقام الثاني : في المفاضلة بين المرجّحات

إنّ المرجّحات جملتها ترجع إلى ثلاث نواح ، لا تخرج عنها :

١. ما يكون مرجّحا للصدور ، ويسمّى «المرجّح الصدوريّ» ، ومعنى ذلك أنّ المرجّح يجعل صدور أحد الخبرين أقرب من صدور الآخر. وذلك مثل موافقة المشهور وصفات الراوي. (١)

٢. ما يكون مرجّحا لجهة الصدور ، ويسمّى «المرجّح الجهتيّ» ؛ فإنّ صدور الخبر ـ المعلوم الصدور حقيقة أو تعبّدا ـ قد يكون لجهة الحكم الواقعيّ ، وقد يكون لبيان خلافه لتقيّة ، أو غيرها من مصالح إظهار خلاف الواقع. وذلك مثل ما إذا كان الخبر مخالفا للعامّة ، فإنّه يرجّح ـ في مورد معارضته بخبر آخر موافق لهم ـ أنّ صدوره كان لبيان الحكم الواقعيّ ؛ لأنّه لا يحتمل فيه إظهار خلاف الواقع ، بخلاف الآخر.

٣ ـ ما يكون مرجّحا للمضمون ، ويسمّى : «المرجّح المضمونيّ». وذلك مثل موافقة الكتاب ، والسنّة ؛ إذ يكون مضمون الخبر الموافق أقرب إلى الواقع في النظر.

وقد وقع الكلام في هذه المرجّحات أنّها مترتّبة عند التعارض بينها أو أنّها في عرض واحد؟ على أقوال :

الأوّل : أنّها في عرض واحد ، فلو كان أحد الخبرين المتعارضين واجدا لبعضها ، والخبر الآخر واجدا لبعض آخر ، وقع التزاحم بين الخبرين ، فيقدّم الأقوى مناطا ، فإن لم يكن أحدهما أقوى مناطا تخيّر بينهما ، وهذا هو مختار الشيخ صاحب الكفاية قدس‌سره (٢).

الثاني : أنّها مترتّبة ، ويقدّم المرجّح الجهتيّ على غيره ، فالمخالف للعامّة أولى بالتقديم على الموافق لهم وإن كان مشهورا. وهذا هو المنسوب إلى الوحيد البهبهانيّ (٣).

__________________

(١) كالأوثقيّة ، والأصدقيّة ، ونحوهما.

(٢) كفاية الأصول : ٥١٧ ـ ٥١٨. ويلزم وقوع التزاحم بين المرجّحات فيما لو كان لأحد الخبرين مزيّة من جهة ، كالشهرة في الرواية ، وللآخر مزيّة أخرى ، كموافقة الكتاب ، وحينئذ يقدّم ما هو أقوى مناطا في القرب إلى الصدور ، ومع تساويهما فالتخيير بينهما.

(٣) هذا القول نسبه المحقّق الخراسانيّ إلى الوحيد البهبهانيّ وبعض أعاظم معاصريه ـ وهو المحقّق الرشتيّ ـ. ـ

الثالث : أنها مترتّبة ، ولكن على العكس من الأوّل ـ أي إنّه يقدّم المرجّح الصدوريّ على غيره ـ ، فيقدّم المشهور الموافق للعامّة على الشاذّ المخالف لهم. وهذا هو ما ذهب إليه شيخنا النائينيّ (١).

الرابع : أنّها مترتّبة ، حسبما جاء في المقبولة ، أو في الروايات الأخرى ، بأن يقدّم ـ مثلا حسبما يظهر من المقبولة ـ المشهور ، فإن تساويا في الشهرة قدّم الموافق للكتاب ، والسنّة ، فإن تساويا في ذلك قدّم ما يخالف العامّة. (٢)

وهناك أقوال أخرى ، لا فائدة في نقلها.

وفي الحقيقة أنّ هذا الخلاف ليس بمناط واحد ، بل يبتني على أشياء :

منها : أنّه يبتني على القول بوجوب الاقتصار على المرجّحات المنصوصة ، فإنّ مقتضى ذلك أن يرجع إلى مدى دلالة أخبار الباب ، وإلى ما ينبغي من الجمع بينها بالجمع العرفيّ فيما اختلفت فيه ، وقد وقع في ذلك (٣) كلام طويل لكثير من الأعلام ، يحتاج استقصاؤه إلى كثير من الوقت. (٤)

والذي نقوله ـ على نحو الاختصار ـ أنّه يبدو من تتبّع الأخبار أنّه لا تفاضل في الترجيح بين الأمور المذكورة فيها. ويشهد لذلك اقتصار جملة منها على واحد منها ، ثمّ ما جمع المرجّحات منها (٥) كالمقبولة والمرفوعة ـ على تقدير الاعتماد عليها ـ لم تذكرها [كلّها] (٦) ، كما لم تتّفق في الترتيب بينها.

__________________

ـ كفاية الأصول : ٥١٨. وراجع الفوائد القديمة «الفوائد الحائريّة» : ١٢٠ ، وبدائع الأفكار (للمحقّق الرشتيّ) : ٤٥٥ و ٤٥٧.

(١) فوائد الأصول ٤ : ٧٧٩.

(٢) هذا ما يبتنيه المحقّق العراقيّ على القول بوجوب الاقتصار في الترجيح على المرجّحات المنصوصة ـ كما ذهب إليه نفسه ـ. نهاية الأفكار ٤ «القسم الثاني» : ١٩٦ و ٢٠١.

(٣) أي : في القول بوجوب الاقتصار.

(٤) وإن أردت الاطّلاع على تفصيل البحث عنه فراجع فرائد الأصول ٢ : ٧٧٩ ـ ٧٨٢ ؛ كفاية الأصول : ٥٠٩ ـ ٥١١ ؛ فوائد الأصول ٤ : ٧٨٥ ؛ نهاية الأفكار ٤ «القسم الثاني» : ١٩٣ ـ ١٩٦.

(٥) أي : من الروايات.

(٦) أي : المرجّحات.

نعم ، إنّ المقبولة ـ التي هي عمدتنا في الباب ، والتي لم نستفد منها الترجيح بالصفات كما تقدّم ـ ذكرت الشهرة أوّلا ، ويظهر منها أنّ الشهرة أكثر أهمّيّة من كلّ مرجّح (١). وأمّا : باقي المرجّحات فقد يقال : لا يظهر من المقبولة الترتيب بينها ، كيف؟ وقد جمعت بينها في الجواب عند ما فرض السائل الخبرين متساويين في الشهرة.

وعلى كلّ حال ، فإنّ استفادة الترتيب بين المرجّحات من الأخبار مشكلة جدّا ، ما عدا تقديم الشهرة على غيرها.

ومنها : أنّه يبتني ـ بعد فرض القول بالتّعدي إلى غير المرجّحات المنصوصة ـ على أنّ القاعدة هل تقتضي تقديم المرجّح الصدوريّ على المرجّح الجهتيّ ، أو بالعكس ، أو لا تقتضي شيئا منهما؟ وعلى التقدير الثالث لا بدّ أن يرجع إلى أقوائيّة المرجّح في الكشف عن مطابقة الخبر للواقع ، فكلّ مرجّح يكون أقوى من هذه الجهة ـ أيّا كان ـ فهو أولى بالتقديم.

وقد أصرّ شيخنا النائينيّ قدس‌سره (٢) على الأوّل ـ أي إنّه يرى أنّ القاعدة تقتضي تقديم المرجّح الصدوريّ على المرجّح الجهتيّ ـ. وبنى ذلك على كون الخبر صادرا لبيان الحكم الواقعي ، لا لغرض آخر يتفرّع على فرض صدوره حقيقة ، أو تعبّدا ؛ لأنّ جهة الصدور من شئون الصادر ، فما لا صدور له لا معنى للكلام عنه أنّه صادر لبيان الحكم الواقعيّ أو لبيان غيره. وعليه ، فإذا كان الخبر الموافق للعامّة مشهورا وكان الخبر الشاذّ مخالفا لهم كان الترجيح للشهرة ، دون مخالفة الآخر للعامّة ؛ لأنّ مقتضى الحكم بحجّية المشهور عدم حجّيّة الشاذّ ، فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعي ، ليحمل المشهور على التقيّة ؛ إذ لا تعبّد بصدور الشاذّ حينئذ.

أقول : إنّ المسلّم إنّما هو تأخّر رتبة الحكم بكون الخبر صادرا لبيان الواقع أو لغيره عن الحكم بصدوره حقيقة ، أو تعبّدا ، وتوقّف الأوّل على الثاني ، ولكن ذلك غير المدّعى ، وهو توقّف مرجّح الأوّل على مرجّح الثاني ، فإنّه ليس المسلّم نفس المدّعى ، ولا يلزمه.

أمّا : أنّه ليس نفسه فواضح ؛ لما قلناه من أنّ المسلّم هو توقّف الأوّل على الثاني ، وهو

__________________

(١) كما في فوائد الأصول ٤ : ٧٨٥.

(٢) في فوائد الأصول ٤ : ٧٧٩ ـ ٧٨١.