درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۸۳: مباحث حجت ۶۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

نعم ، إنّ المقبولة ـ التي هي عمدتنا في الباب ، والتي لم نستفد منها الترجيح بالصفات كما تقدّم ـ ذكرت الشهرة أوّلا ، ويظهر منها أنّ الشهرة أكثر أهمّيّة من كلّ مرجّح (١). وأمّا : باقي المرجّحات فقد يقال : لا يظهر من المقبولة الترتيب بينها ، كيف؟ وقد جمعت بينها في الجواب عند ما فرض السائل الخبرين متساويين في الشهرة.

وعلى كلّ حال ، فإنّ استفادة الترتيب بين المرجّحات من الأخبار مشكلة جدّا ، ما عدا تقديم الشهرة على غيرها.

ومنها : أنّه يبتني ـ بعد فرض القول بالتّعدي إلى غير المرجّحات المنصوصة ـ على أنّ القاعدة هل تقتضي تقديم المرجّح الصدوريّ على المرجّح الجهتيّ ، أو بالعكس ، أو لا تقتضي شيئا منهما؟ وعلى التقدير الثالث لا بدّ أن يرجع إلى أقوائيّة المرجّح في الكشف عن مطابقة الخبر للواقع ، فكلّ مرجّح يكون أقوى من هذه الجهة ـ أيّا كان ـ فهو أولى بالتقديم.

وقد أصرّ شيخنا النائينيّ قدس‌سره (٢) على الأوّل ـ أي إنّه يرى أنّ القاعدة تقتضي تقديم المرجّح الصدوريّ على المرجّح الجهتيّ ـ. وبنى ذلك على كون الخبر صادرا لبيان الحكم الواقعي ، لا لغرض آخر يتفرّع على فرض صدوره حقيقة ، أو تعبّدا ؛ لأنّ جهة الصدور من شئون الصادر ، فما لا صدور له لا معنى للكلام عنه أنّه صادر لبيان الحكم الواقعيّ أو لبيان غيره. وعليه ، فإذا كان الخبر الموافق للعامّة مشهورا وكان الخبر الشاذّ مخالفا لهم كان الترجيح للشهرة ، دون مخالفة الآخر للعامّة ؛ لأنّ مقتضى الحكم بحجّية المشهور عدم حجّيّة الشاذّ ، فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعي ، ليحمل المشهور على التقيّة ؛ إذ لا تعبّد بصدور الشاذّ حينئذ.

أقول : إنّ المسلّم إنّما هو تأخّر رتبة الحكم بكون الخبر صادرا لبيان الواقع أو لغيره عن الحكم بصدوره حقيقة ، أو تعبّدا ، وتوقّف الأوّل على الثاني ، ولكن ذلك غير المدّعى ، وهو توقّف مرجّح الأوّل على مرجّح الثاني ، فإنّه ليس المسلّم نفس المدّعى ، ولا يلزمه.

أمّا : أنّه ليس نفسه فواضح ؛ لما قلناه من أنّ المسلّم هو توقّف الأوّل على الثاني ، وهو

__________________

(١) كما في فوائد الأصول ٤ : ٧٨٥.

(٢) في فوائد الأصول ٤ : ٧٧٩ ـ ٧٨١.

بالبديهة غير توقّف مرجّحه على مرجّحه (١) الذي هو المدّعى.

وأمّا : أنّه لا يستلزمه فكذلك واضح ، فإنّه إذا تصوّرنا هناك خبرين متعارضين : ١ ـ مشهورا موافقا للعامّة. ٢ ـ شاذّا مخالفا لهم ؛ فإنّ الترجيح للشاذّ بالمخالفة إنّما يتوقّف على حجّيّته الاقتضائيّة الثابتة له في نفسه ، لا على فعليّة حجّيّته ، ولا على عدم فعليّة حجّيّة المشهور في قباله ، بل فعليّة حجّيّة الشاذّ تنشأ من الترجيح له بالمخالفة ، ويترتّب عليها حينئذ عدم فعليّة حجّيّة المشهور.

وكذلك الترجيح للمشهور بالشهرة إنّما يتوقّف على حجّيّته الاقتضائيّة الثابتة له في نفسه ، لا على فعليّة حجّيّته ، ولا على عدم فعليّة حجّيّة الشاذّ في قباله ، بل فعليّة حجّيّة المشهور تنشأ من الترجيح له بالشهرة ، ويترتّب عليها حينئذ عدم فعليّة حجّيّة الشاذّ.

وعليه ، فكما لا يتوقّف الترجيح بالشهرة على عدم فعليّة الشاذّ المقابل له ، كذلك لا يتوقّف الترجيح بالمخالفة على عدم فعليّة المشهور المقابل له ، ومن ذلك يتّضح أنّه كما يقتضي الحكم بحجّيّة المشهور عدم حجّيّة الشاذّ ، فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعيّ ، كذلك يقتضي الحكم بحجّيّة الشاذّ عدم حجّيّة المشهور ، فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعيّ. وليس الأوّل أولى بالتقديم من الثاني.

نعم ، إذا دلّ دليل خاصّ ـ مثل المقبولة ـ على أولويّة الشهرة بالتقديم من المخالفة ـ فهذا شيء آخر ـ هو مقتضى الدليل ، لا أنّه مقتضى القاعدة.

والنتيجة أنّه لا قاعدة هناك تقتضي تقديم أحد المرجّحات على الآخر ، ما عدا الشهرة التي دلّت المقبولة على تقديمها ، وما عدا ذلك فالمقدّم هو الأقوى مناطا ، ـ أي ما هو الأقرب إلى الواقع في نظر المجتهد ـ ، فإن لم يحصل التفاضل من هذه الجهة فالقاعدة هي التساقط ، لا التخيير. ومع التساقط يرجع إلى الأصول العمليّة التي يقتضيها المورد.

المقام الثالث : في التعدّي عن المرجّحات المنصوصة

لقد اختلفت أنظار الفقهاء في وجوب الترجيح بغير المرجّحات المنصوصة على أقوال :

__________________

(١) أي : مرجّح الأوّل على مرجّح الثاني.