درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۸۵: اصول عملیه ۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

تمهيد :

لا شكّ في أنّ كلّ متشرّع يعلم علما إجماليّا بأنّ لله (تعالى) أحكاما إلزاميّة ـ من نحو الوجوب والحرمة ـ يجب على المكلّفين امتثالها ، يشترك فيها العالم والجاهل بها.

وهذا «العلم الإجماليّ» منجّز لتلك التكاليف الإلزاميّة الواقعيّة ، (١) فيجب على المكلّف ـ بمقتضى حكم العقل بوجوب تفريغ الذمّة ممّا علم اشتغالها به من تلك التكاليف ـ أن يسعى إلى تحصيل المعرفة بها بالطرق المؤمّنة له التي يعلم بفراغ ذمّته باتّباعها.

ومن أجل هذا نذهب إلى القول بوجوب المعرفة ، وبوجوب الفحص عن الأدلّة ، والحجج المثبتة لتلك الأحكام ، حتى يستفرغ المكلّف وسعه في البحث ، ويستنفد مجهوده الممكن له (٢). وحينئذ ، إذا فحص المكلّف وتمّت له إقامة الحجّة على جميع الموارد

__________________

(١) بالنسبة إلى المكلّف.

(٢) لو فرض أنّ مكلّفا لا يسعه فحص أدلّة الأحكام لسبب ما ـ ولو من جهة لزوم العسر والحرج ـ فإنّه يجوز له أن يقلّد من يطمئنّ إليه من المجتهدين الذي تمّ له فحص الأدلّة وتحصيل الحجّة ، وذلك بمقتضى أدلّة جواز التقليد ، ورجوع الجاهل إلى العالم ، كما يجوز له أن يعمل بالاحتياط في جميع الموارد المحتملة للتكليف ، والتي يمكن فيها الاحتياط على النحو الذي يأتي بيانه في موقعه ، ومن هنا قسّموا المكلّف إلى : مجتهد ، ومقلّد ، ومحتاط.

ونحن غرضنا من هذا المقصد إنّما هو البحث عن وظيفة المجتهد فقط. وهو المناسب لعلم الأصول. * ـ منه قدس‌سره ـ.

__________________

* أقول : البحث عن الأصول العمليّة بحث عن وظيفة المكلّف في مقام العمل ، وفي عدّها من المسائل الأصوليّة نظر ، بل هي من القواعد الفقهيّة ، والتحقيق في محلّه.

المحتملة كلّها فذاك هو كلّ المطلوب ، وهو أقصى ما يرمي إليه المجتهد الباحث ، ويطلب منه ؛ ولكن هذا فرض لم يتّفق حصوله لواحد من المجتهدين ، بأن تحصل له الأدلّة على الأحكام الإلزاميّة كلّها ؛ لعدم توفّر الأدلّة على الجميع.

وأمّا : إذا فحص ولم تتمّ إقامة الحجّة إلاّ على جملة من الموارد ، وبقيت لديه موارد أخرى ، يحتمل فيها ثبوت التكليف ، ويتعذّر فيها إقامة الحجّة لأيّ سبب كان (١) فإنّ المكلّف يقع لا محالة في حالة من الشكّ تجعله في حيرة من أمر تكليفه.

فما ذا تراه صانعا؟ هل هناك حكم عقليّ يركن إليه ويطمئنّ بالرجوع إلى مقتضاه؟ أو أنّ الشارع قد راعى هذه الحالة للمكلّف لعلمه بوقوعه فيها ، فجعل له وظائف عمليّة يرجع إليها عند الحاجة ، ويعمل بها لتطمينه (٢) من الوقوع في العقاب؟

هذه أسئلة يجب الجواب عنها.

وهذا المقصد الرابع وضع للجواب عنها ، ليحصل للمكلّف اليقين بوظيفته التي يجب عليه أن يعمل بها عند الشكّ ، والحيرة.

وهذه الوظيفة أو الوظائف هي التي تسمّى عند الأصوليّين بـ «الأصل العمليّ» ، أو «القاعدة الأصوليّة» ، أو «الدليل الفقاهتيّ».

وقد اتّضح لدى الأصوليّين أنّ الوظيفة الجارية في جميع أبواب الفقه من غير اختصاص بباب دون باب هي على أربعة أنواع :

١. أصالة البراءة.

٢. أصالة الاحتياط.

٣. أصالة التخيير.

٤. أصالة الاستصحاب.

__________________

(١) إنّ تعذّر إقامة الحجّة قد يحصل من جهة فقدان الدليل ، وقد يحصل من جهة إجماله ، وقد يحصل من جهة تعارض الدليلين وتعادلهما من دون مرجّح لأحدهما على الآخر. ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) تقول العامّة «طمّنه» أي : حمله على الطمأنينة.

ومن جميع ما تقدّم يتّضح لنا :

أوّلا : أنّ موضوع هذا المقصد الرابع هو الشكّ في الحكم (١).

ثانيا : أنّ هذه الأصول الأربعة مأخوذ في موضوعها الشكّ في الحكم أيضا.

ثمّ اعلم أنّ الحصر في هذه الأصول الأربعة حصر استقرائي ؛ لأنّها هي التي وجدوا أنّها تجري في جميع أبواب الفقه ، ولذا يمكن فرض أصول أخرى غيرها ولو في أبواب خاصّة من الفقه. وبالفعل هناك جملة من الأصول في الموارد الخاصّة يرجع إليها الشاكّ في الحكم ، مثل أصالة الطهارة الجارية في مورد الشكّ في الطهارة في الشبهة الحكميّة والموضوعيّة.

وإنّما تعدّدت هذه الأصول الأربعة لتعدّد مجاريها ـ أي مواردها التي تختلف باختلاف حالات الشكّ ـ ؛ إذ لكلّ أصل منها حالة من الشكّ هي مجراه على وجه لا يجري فيها غيره من باقي الأصول.

غير أنّه ممّا يجب علمه أنّ مجاري هذه الأصول لا تعرف ـ كما لا يعرف أنّ مجرى هذه الحالة هو مجرى هذا الأصل مثلا ـ إلاّ من طريق أدلّة جريان هذه الأصول ، واعتبارها. وفي بعضها اختلاف باختلاف الأقوال فيها.

وقد ذكر مشايخ الأصول على سبيل الفهرس في مجاريها وجوها مختلفة ، لا يخلو بعضها من نقد وملاحظات. وأحسنها ـ فيما يبدو ـ ما أفاد شيخنا النائيني قدس‌سره (٢).

وخلاصته أنّ الشكّ على نحوين :

١. أن تكون للمشكوك حالة سابقة وقد لاحظها الشارع ، أي قد اعتبرها. وهذا هو مجرى «الاستصحاب».

٢. ألاّ تكون له حالة سابقة ، أو كانت ولكن لم يلاحظها الشارع. وهذه الحالة لا تخلو

__________________

(١) المقصود بالشكّ ما هو أعمّ من الشكّ الحقيقيّ ـ وهو تساوي الطرفين ـ ومن الظنّ غير المعتبر ، نظرا إلى أنّ حكمه حكم الشكّ ، بل باعتبار آخر يدخل الظنّ غير المعتبر في الشكّ حقيقة ، من ناحية أنّه لا يرفع حيرة المكلّف باتّباعه ، فيبقى العامل به شاكّا في فراغ ذمّته. ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) فرائد الأصول ٤ : ٣٢٥ ـ ٣٤٠.

عن إحدى صور ثلاث :

أ : أن يكون التكليف مجهولا مطلقا ـ أي لم يعلم حتى بجنسه ـ. وهذه هي مجرى «أصالة البراءة».

ب : أن يكون التكليف معلوما في الجملة مع إمكان الاحتياط. وهذه مجرى «أصالة الاحتياط».

ج : أن يكون التكليف معلوما كذلك ولا يمكن الاحتياط. وهذه مجرى «قاعدة التخيير».

وقبل الكلام في كلّ واحدة من هذه الأصول لا بدّ من بيان أمور من باب المقدّمة ؛ تنويرا للأذهان. وهي :

الأوّل : أنّ الشكّ في الشيء ينقسم باعتبار الحكم المأخوذ فيه على نحوين :

١. أن يكون مأخوذا موضوعا للحكم الواقعيّ ، كالشكّ في عدد ركعات الصلاة ؛ فإنّه قد يوجب في بعض الحالات تبدّل الحكم الواقعيّ إلى الركعات المنفصلة.

٢. أن يكون مأخوذا موضوعا للحكم الظاهريّ. وهذا النحو هو المقصود بالبحث في المقام. وأمّا النحو الأوّل فهو يدخل في مسائل الفقه.

الثاني : أنّ الشكّ في الشيء ينقسم باعتبار متعلّقه ـ أي الشيء المشكوك فيه ـ على نحوين :

١. أن يكون المتعلّق موضوعا خارجيّا ، كالشكّ في طهارة ماء معيّن ، أو في أنّ هذا المائع المعيّن خلّ أو خمر. وتسمّى الشبهة حينئذ «موضوعيّة».

٢. أن يكون المتعلّق حكما كلّيّا ، كالشكّ في حرمة التدخين ، أو أنّه من المفطرات للصوم ، أو نجاسة العصير العنبيّ إذا غلا قبل ذهاب ثلثيه. وتسمّى الشبهة حينئذ «حكميّة».

والشبهة الحكميّة هي المقصودة بالبحث في هذا المقصد الرابع ، وإذا جاء التعرّض لحكم الشبهات الموضوعيّة فإنّما هو استطراديّ قد تقتضيه طبيعة البحث ، باعتبار أنّ هذه الأصول في طبيعتها تعمّ الشبهات الحكميّة والموضوعيّة في جريانها ، وإلاّ فالبحث عن