درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۸۶: اصول عملیه ۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

عن إحدى صور ثلاث :

أ : أن يكون التكليف مجهولا مطلقا ـ أي لم يعلم حتى بجنسه ـ. وهذه هي مجرى «أصالة البراءة».

ب : أن يكون التكليف معلوما في الجملة مع إمكان الاحتياط. وهذه مجرى «أصالة الاحتياط».

ج : أن يكون التكليف معلوما كذلك ولا يمكن الاحتياط. وهذه مجرى «قاعدة التخيير».

وقبل الكلام في كلّ واحدة من هذه الأصول لا بدّ من بيان أمور من باب المقدّمة ؛ تنويرا للأذهان. وهي :

الأوّل : أنّ الشكّ في الشيء ينقسم باعتبار الحكم المأخوذ فيه على نحوين :

١. أن يكون مأخوذا موضوعا للحكم الواقعيّ ، كالشكّ في عدد ركعات الصلاة ؛ فإنّه قد يوجب في بعض الحالات تبدّل الحكم الواقعيّ إلى الركعات المنفصلة.

٢. أن يكون مأخوذا موضوعا للحكم الظاهريّ. وهذا النحو هو المقصود بالبحث في المقام. وأمّا النحو الأوّل فهو يدخل في مسائل الفقه.

الثاني : أنّ الشكّ في الشيء ينقسم باعتبار متعلّقه ـ أي الشيء المشكوك فيه ـ على نحوين :

١. أن يكون المتعلّق موضوعا خارجيّا ، كالشكّ في طهارة ماء معيّن ، أو في أنّ هذا المائع المعيّن خلّ أو خمر. وتسمّى الشبهة حينئذ «موضوعيّة».

٢. أن يكون المتعلّق حكما كلّيّا ، كالشكّ في حرمة التدخين ، أو أنّه من المفطرات للصوم ، أو نجاسة العصير العنبيّ إذا غلا قبل ذهاب ثلثيه. وتسمّى الشبهة حينئذ «حكميّة».

والشبهة الحكميّة هي المقصودة بالبحث في هذا المقصد الرابع ، وإذا جاء التعرّض لحكم الشبهات الموضوعيّة فإنّما هو استطراديّ قد تقتضيه طبيعة البحث ، باعتبار أنّ هذه الأصول في طبيعتها تعمّ الشبهات الحكميّة والموضوعيّة في جريانها ، وإلاّ فالبحث عن

حكم الشكّ في الشبهة الموضوعيّة من مسائل الفقه.

الثالث : أنّه قد علم ممّا تقدّم في صدر التنبيه أنّ الرجوع إلى الأصول العمليّة إنّما يصحّ بعد الفحص واليأس من الظفر بالأمارة على الحكم الشرعيّ في مورد الشبهة. ومنه يعلم أنّه مع الأمل (١) ووجود المجال للفحص لا وجه لإجراء الأصول والاكتفاء بها في مقام العمل ، بل اللازم أن يفحص حتى ييأس ؛ لأنّ ذلك هو مقتضى وجوب المعرفة والتعلّم ، فلا معذّر عن التكليف الواقعيّ لو وقع في مخالفته بالعمل بالأصل ، لا سيّما مثل أصل البراءة.

تمرينات (٦٦)

١. ما هو محلّ البحث في المقصد الرابع؟

٢. هل الحصر في الأصول الأربعة حصر حقيقيّ ، أو استقرائيّ؟

٣. اذكر ما أفاد المحقّق النائيني في مجاري الأصول الأربعة.

٤. اذكر أقسام الشكّ باعتبار الحكم المأخوذ فيه.

٥. ما الفرق بين «الشبهة الحكميّة» و «الشبهة الموضوعيّة»؟ وأيّتهما مقصودة بالبحث في المقصد الرابع؟

__________________

(١) أي : الرجاء.

الاستصحاب

تعريفه

إذا تيقّن المكلّف بحكم أو بموضوع ذي حكم ، ثمّ تزلزل يقينه السابق بأن شكّ في بقاء ما كان قد تيقّن به سابقا ؛ فإنّه بمقتضى ذهاب يقينه السابق يقع المكلّف في حيرة من أمره في مقام العمل ، هل يعمل على وفق ما كان متيقّنا به ـ ولكنّه ربما زال ذلك المتيقّن ، فيقع في مخالفة الواقع ـ أو لا يعمل على وفقه ، فينقضي ذلك اليقين بسبب ما عراه من الشكّ ، ويتحلّل ممّا تيقّن به سابقا ـ ولكنّه ربما كان المتيقّن باقيا على حاله لم يزل ، فيقع في مخالفة الواقع ـ؟ إذن ما ذا تراه صانعا؟

لا شكّ أنّ هذه الحيرة طبيعيّة للمكلّف الشاكّ ، فتحتاج إلى ما يرفعها من مستند شرعيّ ، فإن ثبت بالدليل أنّ القاعدة هي أن يعمل على وفق اليقين السابق وجب الأخذ بها ، ويكون معذورا لو وقع في المخالفة ، وإلاّ فلا بدّ أن يرجع إلى مستند يطمّنه من التحلّل ممّا تيقّن سابقا ، ولو مثل أصل البراءة ، أو الاحتياط.

وقد ثبت لدى الكثير من الأصوليين أنّ القاعدة في ذلك أن يأخذ بالمتيقّن السابق عند الشكّ اللاحق في بقائه ، على اختلاف أقوالهم في شروط جريان هذه القاعدة ، وحدودها على ما سيأتي. وسمّوا هذه القاعدة بـ «الاستصحاب».

وكلمة «الاستصحاب» مأخوذة في أصل اشتقاقها من كلمة «الصحبة» من باب الاستفعال ، فتقول : «استصحبت هذا الشخص» إذا اتّخذته صاحبا مرافقا لك. وتقول : «استصحبت هذا الشيء» إذا حملته معك.

وإنّما صحّ إطلاق هذه الكلمة على هذه القاعدة في اصطلاح الأصوليّين باعتبار أنّ العامل بها يتّخذ ما تيقّن به سابقا صحيبا له إلى الزمان اللاحق في مقام العمل.

وعليه ، فكما يصحّ أن تطلق كلمة «الاستصحاب» على نفس الإبقاء العمليّ من الشخص المكلّف العامل ، كذلك يصحّ إطلاقها على نفس القاعدة لهذا الإبقاء العمليّ ؛ لأنّ القاعدة في الحقيقة إبقاء ، واستصحاب من الشارع حكما.