درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۸۸: اصول عملیه ۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

للحكم ، ويكون أيضا عملا بالحاضر ، لا بما كان.

مقوّمات الاستصحاب

بعد أن أشرنا إلى أنّ لقاعدة الاستصحاب أركانا ، ـ نقول تعقيبا على ذلك ـ : إنّ هذه القاعدة تتقوّم بعدّة أمور إذا لم تتوفّر فيها فإمّا ألاّ تسمّى استصحابا أو لا تكون مشمولة لأدلّته الآتية (١). ويمكن أن ترتقي هذه المقوّمات إلى سبعة أمور ، حسبما تقتنص من كلمات الباحثين :

١. «اليقين» : والمقصود به اليقين بالحالة السابقة ، سواء كانت حكما شرعيّا ، أو موضوعا ذا حكم شرعيّ. وقد قلنا سابقا : (٢) إنّ ذلك ركن في الاستصحاب ؛ لأنّ المفهوم من الأخبار الدالّة عليه ، بل من معناه أن يثبت يقين بالحالة السابقة ، وأنّ لثبوت هذا اليقين علّيّة في القاعدة.

ولا فرق في ذلك بين أن نقول بأنّ اعتبار سبق اليقين من جهة كونه صفة قائمة بالنفس ، وبين أن نقول بذلك من جهة كونه طريقا ، وكاشفا. وسيأتي بيان وجه الحقّ من القولين. (٣)

٢. «الشكّ» : والمقصود منه الشكّ في بقاء المتيقّن. وقد قلنا سابقا : (٤) إنّه ركن في الاستصحاب ؛ لأنّه لا معنى لفرض هذه القاعدة ، ولا للحاجة إليها ، مع فرض بقاء اليقين ، أو تبدّله بيقين آخر ، ولا يصحّ أن تجري إلاّ في فرض الشكّ في بقاء ما كان متيقّنا. فالشكّ مفروغ عنه في فرض جريان قاعدة الاستصحاب ، فلا بدّ أن يكون مأخوذا في موضوعها.

__________________

(١) فلا تكون حجّة على الحكم الفرعي.

(٢) في الجواب عن الاعتراض الثاني.

(٣) لم يأت في المباحث الآتية.

قال المحقّق النائيني : «فأخذ اليقين في الأخبار إنّما يكون باعتبار كونه كاشفا ، وطريقا إلى المتيقّن ، لا بما أنّه صفة قائمة في النفس». فوائد الأصول ٣ : ٣٧٤.

ولا يبعد أن ينهج المصنّف في المقام منهج أستاذه المحقّق النائيني ، كما يشعر به كلامه الآتي : «لا يصحّ أن يقصد أحكام اليقين من جهة أنّه صفة من الصفات ... ، فالمراد من الأحكام الأحكام الثابتة للمتيقّن بواسطة اليقين به». راجع الصفحة : ٦٤٤.

(٤) في الصفحة السابقة.

ولكن ينبغي ألاّ يخفى أنّ المقصود من الشكّ ما هو أعمّ من الشكّ بمعناه الحقيقيّ ـ أي تساوي الاحتمالين ـ ومن الظنّ غير المعتبر ، فيكون المراد منه عدم العلم والعلميّ مطلقا ، وستأتي الإشارة إلى سرّ ذلك.

٣. «اجتماع اليقين والشكّ في زمان واحد» : بمعنى أن يتّفق في آن واحد حصول اليقين والشكّ ، لا بمعنى أنّ مبدأ حدوثهما يكون في آن واحد ، بل قد يكون مبدأ حدوث اليقين قبل حدوث الشكّ ، كما هو المتعارف في أمثلة الاستصحاب ، (١) وقد يكونان متقارنين حدوثا ، كما لو علم يوم الجمعة ـ مثلا ـ بطهارة ثوبه يوم الخميس ، وفي نفس يوم الجمعة في آن حصول العلم حصل له الشكّ في بقاء الطهارة السابقة إلى يوم الجمعة ، وقد يكون مبدأ حدوث اليقين متأخّرا عن حدوث الشكّ ، كما لو حدث الشكّ يوم الجمعة في طهارة ثوبه واستمرّ الشكّ إلى يوم السبت ، ثمّ حدث له يقين يوم السبت في أنّ الثوب كان طاهرا يوم الخميس ، فإنّ كلّ هذه الفروض هي مجرى للاستصحاب.

والوجه في اعتبار اجتماع اليقين والشكّ في الزمان واضح ؛ لأنّ ذلك هو المقوّم لحقيقة الاستصحاب الذي هو إبقاء ما كان ؛ إذ لو لم يجتمع اليقين السابق مع الشكّ اللاحق زمانا فإنّه لا يفرض ذلك إلاّ فيما إذا تبدّل اليقين بالشكّ ، وسرى الشكّ إليه ، فلا يكون العمل باليقين إبقاء لما كان ، بل هذا مورد قاعدة اليقين المباينة في حقيقتها لقاعدة الاستصحاب ، وستأتي الإشارة إليها. (٢)

٤. «تعدّد زمان المتيقّن والمشكوك» : ويشعر بهذا الشرط نفس الشرط الثالث المتقدّم ؛ لأنّه مع فرض وحدة زمان اليقين والشكّ يستحيل فرض اتّحاد زمان المتيقّن والمشكوك مع كون المتيقّن نفس المشكوك ، كما سيأتي اشتراط ذلك (٣) في الاستصحاب أيضا. (٤)

__________________

(١) كما لو علم يوم الخميس بطهارة ثوبه ، واستمرّ علمه إلى يوم الجمعة ، ثمّ حدث له الشك يوم الجمعة في طهارة ثوبه وبقائها إلى يوم الجمعة.

(٢) أي قاعدة اليقين. وتأتي بعد أسطر.

(٣) أي كون المتيقّن نفس المشكوك.

(٤) وهو الركن الخامس الآتي.

وذلك ؛ لأنّ معناه اجتماع اليقين والشكّ بشيء واحد ، وهو محال. والحقيقة أنّ وحدة زمان صفتي اليقين والشكّ بشيء واحد تستلزم تعدّد زمان متعلّقهما ، وبالعكس ، أي إنّ وحدة زمان متعلّقهما تستلزم تعدّد زمان الصفتين.

وعليه ، فلا يفرض الاستصحاب إلاّ في مورد اتّحاد زمان اليقين والشكّ ، مع تعدّد زمان متعلّقهما.

وأمّا : في فرض العكس ـ بأن يتعدّد زمانهما مع اتّحاد زمان متعلّقهما ، بأن يكون في الزمان اللاحق شاكّا في نفس ما تيقّنه سابقا بوصف وجوده السابق ـ فإنّ هذا هو مورد ما يسمّى بـ «قاعدة اليقين». والعمل باليقين لا يكون إبقاء لما كان ، مثلا : إذا تيقّن بحياة شخص يوم الجمعة ، ثمّ شكّ يوم السبت في نفس حياته يوم الجمعة ، بأن سرى الشكّ إلى يوم الجمعة ـ أي إنّه تبدّل يقينه السابق إلى الشكّ ـ فإنّ العمل على اليقين لا يكون إبقاء لما كان ؛ لأنّه حينئذ لم يحرز ما كان تيقّن به أنّه كان. ومن أجل هذا عبّروا عن مورد قاعدة اليقين «بالشكّ الساري».

وهذا هو الفرق الأساسيّ بين القاعدتين. وسيأتي أنّ أخبار الاستصحاب لا تشملها ، ولا دليل عليها غيرها. (١)

٥. «وحدة متعلّق اليقين والشكّ» : أي إنّ الشكّ يتعلّق بنفس ما تعلّق به اليقين ، مع قطع النظر عن اعتبار الزمان. وهذا هو المقوّم لمعنى الاستصحاب الذي حقيقته إبقاء ما كان.

وبهذا تفترق قاعدة الاستصحاب عن «قاعدة المقتضي والمانع» التي موردها ما لو حصل اليقين بالمقتضي والشكّ في الرافع ـ أي المانع من تأثيره ـ ، فيكون المشكوك فيها غير المتيقّن. فإنّ من يذهب إلى صحّة هذه القاعدة يقول : «إنّه يجب البناء على تحقّق المقتضى ـ بالفتح ـ إذا تيقّن بوجود المقتضي ـ بالكسر ـ ، ويكفي ذلك بلا حاجة إلى إحراز عدم المانع من تأثيره ، أي إنّ مجرّد إحراز المقتضي كاف في ترتيب آثار مقتضاه». وسيأتي الكلام إن شاء الله (تعالى) فيها. (٢)

__________________

(١) أي لا دليل معتبر على قاعدة الاستصحاب ، غير الأخبار ، وهي لا تشمل قاعدة اليقين.

(٢) يأتي في الصفحة : ٦٣٨.