درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۸۹: اصول عملیه ۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

وذلك ؛ لأنّ معناه اجتماع اليقين والشكّ بشيء واحد ، وهو محال. والحقيقة أنّ وحدة زمان صفتي اليقين والشكّ بشيء واحد تستلزم تعدّد زمان متعلّقهما ، وبالعكس ، أي إنّ وحدة زمان متعلّقهما تستلزم تعدّد زمان الصفتين.

وعليه ، فلا يفرض الاستصحاب إلاّ في مورد اتّحاد زمان اليقين والشكّ ، مع تعدّد زمان متعلّقهما.

وأمّا : في فرض العكس ـ بأن يتعدّد زمانهما مع اتّحاد زمان متعلّقهما ، بأن يكون في الزمان اللاحق شاكّا في نفس ما تيقّنه سابقا بوصف وجوده السابق ـ فإنّ هذا هو مورد ما يسمّى بـ «قاعدة اليقين». والعمل باليقين لا يكون إبقاء لما كان ، مثلا : إذا تيقّن بحياة شخص يوم الجمعة ، ثمّ شكّ يوم السبت في نفس حياته يوم الجمعة ، بأن سرى الشكّ إلى يوم الجمعة ـ أي إنّه تبدّل يقينه السابق إلى الشكّ ـ فإنّ العمل على اليقين لا يكون إبقاء لما كان ؛ لأنّه حينئذ لم يحرز ما كان تيقّن به أنّه كان. ومن أجل هذا عبّروا عن مورد قاعدة اليقين «بالشكّ الساري».

وهذا هو الفرق الأساسيّ بين القاعدتين. وسيأتي أنّ أخبار الاستصحاب لا تشملها ، ولا دليل عليها غيرها. (١)

٥. «وحدة متعلّق اليقين والشكّ» : أي إنّ الشكّ يتعلّق بنفس ما تعلّق به اليقين ، مع قطع النظر عن اعتبار الزمان. وهذا هو المقوّم لمعنى الاستصحاب الذي حقيقته إبقاء ما كان.

وبهذا تفترق قاعدة الاستصحاب عن «قاعدة المقتضي والمانع» التي موردها ما لو حصل اليقين بالمقتضي والشكّ في الرافع ـ أي المانع من تأثيره ـ ، فيكون المشكوك فيها غير المتيقّن. فإنّ من يذهب إلى صحّة هذه القاعدة يقول : «إنّه يجب البناء على تحقّق المقتضى ـ بالفتح ـ إذا تيقّن بوجود المقتضي ـ بالكسر ـ ، ويكفي ذلك بلا حاجة إلى إحراز عدم المانع من تأثيره ، أي إنّ مجرّد إحراز المقتضي كاف في ترتيب آثار مقتضاه». وسيأتي الكلام إن شاء الله (تعالى) فيها. (٢)

__________________

(١) أي لا دليل معتبر على قاعدة الاستصحاب ، غير الأخبار ، وهي لا تشمل قاعدة اليقين.

(٢) يأتي في الصفحة : ٦٣٨.

٦. «سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك» : أي إنّه يجب أن يتعلّق الشكّ ببقاء ما هو متيقّن الوجود سابقا ، وهذا هو الظاهر من معنى الاستصحاب ، فلو انعكس الأمر ـ بأن كان زمان المتيقّن متأخّرا عن زمان المشكوك ، بأن يشكّ في مبدأ حدوث ما هو متيقّن الوجود في الزمان الحاضر ـ فإنّ هذا يرجع إلى «الاستصحاب القهقريّ» الذي لا دليل عليه. مثاله : ما لو علم بأنّ صيغة «افعل» حقيقة في الوجوب في لغتنا الفعليّة الحاضرة ، وشكّ في مبدأ حدوث وضعها لهذا المعنى ، هل كان في أصل وضع لغة العرب ، أو أنّها نقلت عن معناها الأصليّ إلى هذا المعنى في العصور الإسلاميّة؟ فإنّه يقال هنا : «إنّ الأصل عدم النقل» ؛ لغرض إثبات أنّها موضوعة لهذا المعنى في أصل اللغة. ومعنى ذلك في الحقيقة جرّ اليقين اللاحق إلى الزمن المتقدّم. ومثل هذا الاستصحاب يحتاج إلى دليل خاصّ ، ولا تكفي فيه أخبار الاستصحاب ، ولا أدلّته الأخرى (١) ؛ لأنّه ليس من باب عدم نقض اليقين بالشكّ ، بل يرجع أمره إلى نقض الشكّ المتقدّم باليقين المتأخّر.

٧. «فعليّة الشكّ واليقين» : بمعنى أنّه لا يكفي الشكّ التقديريّ ، ولا اليقين التقديريّ. (٢) واعتبار هذا الشرط لا من أجل أنّ الاستصحاب لا يتحقّق معناه إلاّ بفرضه ، بل لأنّ ذلك مقتضى ظهور لفظ الشكّ واليقين في أخبار الاستصحاب ؛ فإنّهما ظاهران في كونهما فعليّين ، كسائر الألفاظ في ظهورها في فعليّة عناوينها.

وإنّما يعتبر هذا الشرط في قبال من يتوهّم جريان الاستصحاب في مورد الشكّ التقديريّ ، ومثاله ـ كما ذكره بعضهم (٣) ـ : ما لو تيقّن المكلّف بالحدث ، ثمّ غفل عن حاله وصلّى ، ثمّ بعد الفراغ من الصلاة شكّ في أنّه هل تطهّر قبل الدخول في الصلاة؟ فإنّ مقتضى قاعدة الفراغ صحّة صلاته ؛ لحدوث الشكّ بعد الفرغ من العمل ، وعدم وجود الشكّ قبله.

__________________

(١) بناء على دلالتها ، كالعقل ، وبناء العقلاء ، والإجماع.

(٢) والمراد من فعليّتهما هو الالتفات إلى اليقين السابق والشكّ اللاحق ، لا وجودهما في الخزانة النفسانيّة ولو كان الإنسان ذاهلا عنهما. والمراد من التقديريّ منهما هو عدم الالتفات إليهما وإن كانا موجودين في خزانة النفس.

(٣) كالشيخ في فرائد الأصول ٢ : ٥٤٨ ، والمحقّق الخراسانيّ في الكفاية : ٤٥٩. وهو بما ذكر في المتن موجود في فوائد الأصول ٤ : ٣١٨ ـ ٣١٩.

ولا نقول بجريان استصحاب الحدث إلى حين الصلاة ؛ لعدم فعليّة الشكّ إلاّ بعد الصلاة.

وأمّا : الاستصحاب الجاري بعد الصلاة فهو محكوم لقاعدة الفراغ.

أمّا : لو قلنا بجريان الاستصحاب مع الشكّ التقديريّ ، وكان يقدّر فيه الشكّ في الحدث لو أنّه التفت قبل الصلاة ، فإنّ المصلّي حينئذ يكون بمنزلة من دخل في الصلاة وهو غير متطهّر يقينا ، فلا تصحّ صلاته وإن كان غافلا حين الصلاة ، ولا تصحّحها قاعدة الفراغ ؛ لأنّها لا تكون حاكمة على الاستصحاب الجاري قبل الدخول في الصلاة.

معنى حجّيّة الاستصحاب

من جملة المناقشات في تعريف الاستصحاب المتقدّم ـ وهو إبقاء ما كان ونحوه ـ ما قاله بعضهم (١) : «إنّه لا شكّ في صحّة وصف الاستصحاب بالحجّة ، مع أنّه لو أريد منه ما يؤدّي معنى الإبقاء ، لا يصحّ وصفه بالحجّة ؛ لأنّه إن أريد منه الإبقاء العمليّ المنسوب إلى المكلّف فواضح عدم صحّة وصفه بالحجّة ؛ لأنّه ليس الإبقاء العمليّ يصحّ أن يكون دليلا على شيء وحجّة فيه. وإن أريد منه الإلزام الشرعيّ فإنّه مدلول الدليل ، لا أنّه دليل على نفسه وحجّة على نفسه ، وكيف يكون دليلا على نفسه وحجّة على نفسه؟! فهو من هذه الجهة شأنه شأن الأحكام التكليفيّة المدلولة للأدلّة».

قلت : نستطيع حلّ هذه الشبهة بالرجوع إلى ما ذكرناه ، من معنى الإبقاء الذي هو مؤدّى الاستصحاب ، وهو أنّ المراد به القاعدة الشرعيّة المجعولة في مقام العمل. فليس المراد منه الإبقاء العمليّ المنسوب إلى المكلّف ، ولا الإلزام الشرعيّ ، فيصحّ وصفه بالحجّة ، ولكن لا بمعنى الحجّة في باب الأمارات ، بل بالمعنى اللغويّ لها ؛ (٢) لأنّه لا معنى لكون قاعدة العمل دليلا على شيء ، مثبتة له ، بل هي الأمر المجعول من قبل الشارع ، فتحتاج إلى إثبات

__________________

(١) وهو المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٣ : ٧.

(٢) قد مرّ في الجزء الثالث أنّ الحجّة لغة «كلّ شيء يصلح أن يحتجّ به على الغير».

وأمّا : فى اصطلاح الأصوليّين «الحجّة كلّ شيء يكشف عن شيء آخر ، ويحكي عنه على وجه يكون مثبتا له». فمراد المصنّف أنّ الحجّة تطلق على الاستصحاب بالمعنى الأوّل ، لا الثاني.