درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۹۰: اصول عملیه ۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ولا نقول بجريان استصحاب الحدث إلى حين الصلاة ؛ لعدم فعليّة الشكّ إلاّ بعد الصلاة.

وأمّا : الاستصحاب الجاري بعد الصلاة فهو محكوم لقاعدة الفراغ.

أمّا : لو قلنا بجريان الاستصحاب مع الشكّ التقديريّ ، وكان يقدّر فيه الشكّ في الحدث لو أنّه التفت قبل الصلاة ، فإنّ المصلّي حينئذ يكون بمنزلة من دخل في الصلاة وهو غير متطهّر يقينا ، فلا تصحّ صلاته وإن كان غافلا حين الصلاة ، ولا تصحّحها قاعدة الفراغ ؛ لأنّها لا تكون حاكمة على الاستصحاب الجاري قبل الدخول في الصلاة.

معنى حجّيّة الاستصحاب

من جملة المناقشات في تعريف الاستصحاب المتقدّم ـ وهو إبقاء ما كان ونحوه ـ ما قاله بعضهم (١) : «إنّه لا شكّ في صحّة وصف الاستصحاب بالحجّة ، مع أنّه لو أريد منه ما يؤدّي معنى الإبقاء ، لا يصحّ وصفه بالحجّة ؛ لأنّه إن أريد منه الإبقاء العمليّ المنسوب إلى المكلّف فواضح عدم صحّة وصفه بالحجّة ؛ لأنّه ليس الإبقاء العمليّ يصحّ أن يكون دليلا على شيء وحجّة فيه. وإن أريد منه الإلزام الشرعيّ فإنّه مدلول الدليل ، لا أنّه دليل على نفسه وحجّة على نفسه ، وكيف يكون دليلا على نفسه وحجّة على نفسه؟! فهو من هذه الجهة شأنه شأن الأحكام التكليفيّة المدلولة للأدلّة».

قلت : نستطيع حلّ هذه الشبهة بالرجوع إلى ما ذكرناه ، من معنى الإبقاء الذي هو مؤدّى الاستصحاب ، وهو أنّ المراد به القاعدة الشرعيّة المجعولة في مقام العمل. فليس المراد منه الإبقاء العمليّ المنسوب إلى المكلّف ، ولا الإلزام الشرعيّ ، فيصحّ وصفه بالحجّة ، ولكن لا بمعنى الحجّة في باب الأمارات ، بل بالمعنى اللغويّ لها ؛ (٢) لأنّه لا معنى لكون قاعدة العمل دليلا على شيء ، مثبتة له ، بل هي الأمر المجعول من قبل الشارع ، فتحتاج إلى إثبات

__________________

(١) وهو المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٣ : ٧.

(٢) قد مرّ في الجزء الثالث أنّ الحجّة لغة «كلّ شيء يصلح أن يحتجّ به على الغير».

وأمّا : فى اصطلاح الأصوليّين «الحجّة كلّ شيء يكشف عن شيء آخر ، ويحكي عنه على وجه يكون مثبتا له». فمراد المصنّف أنّ الحجّة تطلق على الاستصحاب بالمعنى الأوّل ، لا الثاني.

ودليل ، كسائر الأحكام التكليفيّة من هذه الجهة ، ولكنّه نظرا إلى أنّ العمل على وفقها عند الجهل بالواقع يكون معذّرا للمكلّف ، إذا وقع في مخالفة الواقع ـ كما أنّه يصحّ الاحتجاج بها على المكلّف ، إذا لم يعمل على وفقها فوقع في المخالفة ـ ، صحّ أن توصف بكونها حجّة بالمعنى اللغويّ. وبهذه الجهة يصحّ أن توصف بالحجّة سائر الأصول العمليّة والقواعد الفقهيّة المجعولة للشاكّ الجاهل بالواقع ، فإنّها كلّها توصف بالحجّة في تعبيراتهم ، ولا شكّ في أنّه لا معنى لأن يراد منها الحجّة في باب الأمارات ، فيتعيّن أن يراد منها هذا المعنى اللغويّ من الحجّة.

وبهذه الجهة تفترق القواعد والأصول الموضوعة للشاكّ عن سائر الأحكام التكليفيّة ؛ فإنّها لا يصحّ وصفها بالحجّة مطلقا ، حتى بالمعنى اللغويّ.

غير أنّه يجب ألاّ يغيب عن البال أنّ وصف القواعد والأصول الموضوعة للشاكّ بالحجّة يتوقّف على ثبوت مجعوليّتها من قبل الشارع بالدليل الدالّ عليها. فالحجّة في الحقيقة هي : القاعدة المجعولة للشاكّ بما أنّها مجعولة من قبله ، وإلاّ إذا لم تثبت مجعوليّتها لا يصحّ أن تسمّى «قاعدة» ؛ فضلا عن وصفها بالحجّة.

وعليه ، فيكون المقوّم لحجّيّة القاعدة المجعولة للشاكّ ـ أيّة قاعدة كانت ـ هو الدليل الدالّ عليها الذي هو حجّة بالمعنى الاصطلاحيّ.

وإذا ثبتت صحّة وصف نفس قاعدة الاستصحاب بالحجّة بالمعنى اللغويّ لم تبق حاجة إلى التأويل ؛ لتصحيح وصف الاستصحاب بالحجّة ـ كما صنع بعض مشايخنا قدس‌سره (١) ـ ؛ إذ جعل الموصوف بالحجّة فيه ـ على اختلاف المباني ـ أحد أمور ثلاثة :

١. «اليقين السابق» ، باعتبار أنّه يكون منجّزا للحكم حدوثا عقلا ، والحكم بقاء بجعل الشارع.

٢. «الظنّ بالبقاء اللاحق» ، بناء على اعتبار الاستصحاب من باب حكم العقل.

٣. «مجرّد الكون السابق» ، فإنّ الوجود السابق يكون حجّة في نظر العقلاء على الوجود الظاهريّ في اللاحق ، لا من جهة وثاقة اليقين السابق ، ولا من جهة رعاية الظنّ بالبقاء

__________________

(١) وهو المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ٣ : ٩ ـ ١٠.

اللاحق ، بل من جهة الاهتمام بالمقتضيات ، والتحفّظ على الأغراض الواقعيّة.

فإنّ كلّ هذه التأويلات إنّما نلتجئ إليها إذا عجزنا عن تصحيح وصف نفس الاستصحاب بالحجّة ، وقد عرفت صحّة وصفه بالحجّة بمعناها اللغويّ.

ثمّ لا شكّ في أنّ الموصوف بالحجّة في لسان الأصوليّين نفس الاستصحاب ، لا اليقين المقوّم لتحقّقه ، ولا الظنّ بالبقاء ، ولا مجرّد الكون السابق ، وإن كان ذلك كلّه ممّا يصحّ وصفه بالحجّة.

هل الاستصحاب أمارة ، أو أصل؟

بعد أن تقدّم أنّه لا يصحّ وصف قاعدة العمل للشاكّ ـ أيّة قاعدة كانت ـ بالحجّة في باب الأمارات يتّضح لك أنّه لا يصحّ وصفها بالأمارة ؛ فإنّه تكون أمارة على أيّ شيء؟ وعلى أيّ حكم؟ ولا فرق في ذلك بين قاعدة الاستصحاب ، وبين غيرها من الأصول العمليّة ، والقواعد الفقهيّة ؛ إذ أنّ قاعدة الاستصحاب في الحقيقة مضمونها حكم عامّ ، وأصل عمليّ يرجع إليها المكلّف عند الشكّ والحيرة في بقاء ما كان. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الدليل عليها الأخبار ، أو غيرها من الأدلّة ، كبناء العقلاء ، وحكم العقل ، والإجماع. ولكنّ الشيخ الأنصاريّ رحمه‌الله فرّق في الاستصحاب بين أن يكون مبناه الأخبار فيكون أصلا ، وبين أن يكون مبناه حكم العقل فيكون أمارة. قال ما نصّه :

«إنّ عدّ الاستصحاب من الأحكام الظاهريّة الثابتة للشىء بوصف كونه مشكوك الحكم ، نظير أصل البراءة ، وقاعدة الاشتغال مبنيّ على استفادته من الأخبار. وأمّا : بناء على كونه من أحكام العقل فهو دليل ظنّيّ اجتهاديّ ، نظير القياس ، والاستقراء على القول بهما». (١)

أقول : وكأنّ من تأخّر عنه أخذ هذا الرأي إرسال المسلّمات. والذي يظهر من القدماء أنّه معدود عندهم من الأمارات ؛ كالقياس ، إذ لا مستند لهم عليه إلاّ حكم العقل. (٢) غير أنّ

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٥٤٣.

(٢) قال الشيخ الأنصاريّ : «ولكن ظاهر كلمات الأكثر : كالشيخ ، والسيدين ، والفاضلين والشهيدين ، وصاحب المعالم كونه حكما عقليّا ، ولذا لم يتمسّك أحد هؤلاء فيه بخبر من الأخبار». فرائد الأصول ٢ : ٥٤٣.