درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۹۲: اصول عملیه ۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الثامن : التفصيل بين ما ثبت بالإجماع وغيره ، فلا يعتبر في الأوّل. (١)

التاسع : التفصيل بين كون المستصحب ممّا ثبت بدليله أو من الخارج استمراره ، فشكّ في الغاية الرافعة له ، وبين غيره ، فيعتبر في الأوّل دون الثاني ، كما هو ظاهر «المعارج». (٢)

العاشر : هذا التفصيل مع اختصاص الشكّ بوجود الغاية ، كما هو الظاهر من المحقّق السبزواريّ (٣) فيما سيجيء من كلامه.

الحادي عشر : زيادة الشكّ في مصداق الغاية من جهة الاشتباه المصداقيّ دون المفهوميّ ، كما هو ظاهر ما سيجيء من المحقّق الخوانساريّ. (٤)

ثمّ إنّه لو بني على ملاحظة ظواهر كلمات من تعرّض لهذه المسألة في الأصول والفروع لزادت الأقوال على العدد المذكور بكثير ، بل يحصل لعالم واحد قولان ، أو أزيد في المسألة ، إلاّ أنّ صرف الوقت في هذا ممّا لا ينبغي.

__________________

ـ المذكور فيه ، بل ثبوت هذه الأحكام التكليفيّة في الزمان الثاني بالنصّ ، لا بالثبوت في الزمان الأوّل حتى يكون استصحابا.

والحاصل : أنّ الفاضل التوني ذهب إلى أنّ محلّ النزاع في الاستصحاب هو الأحكام الوضعيّة ، واختار عدم حجيّته فيها ، وأمّا : التكليفيّة فهي خارجة عن محلّ النزاع ، وثبوتها في الزمان الثاني أمر مفروغ عنه بالنصّ لا بالاستصحاب ، فيمكن إرجاع كلامه إلى القول بعدم حجّيّته في مطلق الأحكام التكليفيّة والوضعيّة ، أمّا : الأحكام التكليفيّة فلأنّها خارجة من موضع النزاع وإن كان ثبوتها في الزمان الثاني قطعيّا ، إلاّ أنّه بالنصّ لا بالاستصحاب ، وأمّا الوضعيّة فلأنّ المستصحب لا بدّ وأن يكون بنفسه أثرا ، والوضعيّات ليست كذلك. هذا ما استفدناه من كلام الفاضل التوني في الوافية.

وأمّا : التقريب الذي ذكره العلاّمة العراقي ـ من أنّ الفاضل التوني فصّل بين الأحكام التكليفيّة والأحكام الوضعيّة بحجّية الاستصحاب في الأوّل ، دون الثانى ـ ، والتقريب الذي ذكره المحقّق النائينيّ ـ من أنّه فصّل بين الأحكام التكليفيّة والوضعيّة ، ففي الأوّل لا يجري الاستصحاب ، وفي الثاني يجري ـ فهما لا يستفادان من كلامه ، راجع نهاية الأفكار ٤ : ٨٧ ، وفوائد الأصول ٤ : ٣٧٩.

(١) وهذا ما اختاره الغزاليّ في المستصفى ١ : ٢٢٣ ـ ٢٢٤.

(٢) معارج الأصول : ٢٠٩ ـ ٢١٠.

(٣) ذخيرة المعاد : ١١٥ ـ ١١٦.

(٤) مشارق الشموس : ٧٥ ـ ٧٦.

والأقوى هو القول التاسع ، وهو الذي اختاره المحقّق». (١) انتهى ما أردناه نقله من عبارة الشيخ الأعظم قدس‌سره.

وينبغي أن يزاد تفصيل آخر ، لم يتعرّض له في نقل الأقوال ، وهو رأي خاصّ به ؛ إذ فصّل بين كون المستصحب ممّا ثبت بدليل عقليّ ، فلا يجري فيه الاستصحاب ، وبين ما ثبت بدليل آخر ، فيجري فيه. (٢) ولعلّه إنّما لم يذكره في ضمن الأقوال ؛ لأنّه يرى أنّ الحكم الثابت بدليل عقليّ لا يمكن أن يتطرّق إليه الشكّ ، بل إمّا أن يعلم بقاؤه ، أو يعلم زواله ، فلا يتحقّق فيه ركن الاستصحاب وهو الشكّ. فلا يكون ذلك تفصيلا في حجّيّة الاستصحاب.

تمرينات (٦٧)

١. ما هو مجرى الاستصحاب؟

٢. لم سمّيت قاعدة الاستصحاب بـ «الاستصحاب»؟

٣. ما هو تعريف الاستصحاب عند الشيخ الأنصاري؟

٤. اذكر ما أفاده المحقّق الخراساني في الاعتراض على تعريف الشيخ ، واذكر الجواب عنه.

٥. ما هي مقوّمات الاستصحاب؟

٦. ما الفرق بين قاعدة الاستصحاب وقاعدة اليقين؟

٧. ما الفرق بين قاعدة الاستصحاب وقاعدة المقتضي والمانع؟

٨. ما هو الاستصحاب القهقريّ؟

٩. هل توصف قاعدة الاستصحاب بالحجّة؟

١٠. هل الاستصحاب أمارة أو أصل؟ ما الدليل عليه؟

١١. اذكر الأقوال في حجّيّة الاستصحاب.

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٥٦٠ ـ ٥٦١.

(٢) فرائد الأصول ٢ : ٥٥٤.

وقبل أن ندخل في مناقشة الأقوال ، والترجيح بينها ينبغي أن نذكر الأدلّة على الاستصحاب التي تمسّك بها القائلون بحجّيّته ، لنناقشها ، ونذكر مدى دلالتها.

أدلّة الاستصحاب

الدليل الأوّل : بناء العقلاء

لا شكّ في أنّ العقلاء من الناس ـ على اختلاف مشاربهم وأذواقهم ـ جرت سيرتهم في عملهم ، وتبانوا في سلوكهم العمليّ على الأخذ بالمتيقّن السابق عند الشكّ اللاحق في بقائه. وعلى ذلك قامت معايش العباد ، ولو لا ذلك لاختلّ النظام الاجتماعيّ ، ولما قامت لهم سوق وتجارة.

وقيل : إنّ ذلك مرتكز حتى في نفوس الحيوانات ؛ فالطيور ترجع إلى أوكارها ، والماشية تعود إلى مرابضها.

ولكن هذا التعميم للحيوانات محلّ نظر ، بل ينبغي أن يعدّ من المهازل ؛ لعدم حصول الاحتمال عندها حتى يكون ذلك منها استصحابا ، بل تجري في ذلك على وفق عادتها بنحو لا شعوريّ.

وعلى كلّ حال ، فإنّ بناء العقلاء في عملهم مستقرّ على الأخذ بالحالة السابقة عند الشكّ في بقائها ، في جميع أحوالهم وشئونهم ، مع الالتفات إلى ذلك ، والتوجّه إليه.

وإذا ثبتت هذه المقدّمة ننتقل إلى مقدّمة أخرى ، فنقول : إنّ الشارع من العقلاء ، بل رئيسهم ، فهو متّحد المسلك معهم ، فإذا لم يظهر منه الردع عن طريقتهم العمليّة ، يثبت على سبيل القطع أنّه ليس له مسلك آخر غير مسلكهم ، وإلاّ لظهر ، وبان ، ولبلغ الناس. وقد تقدّم مثل ذلك في حجّيّة خبر الواحد. (١)

وهذا الدليل ـ كما ترى ـ يتكوّن من مقدّمتين قطعيّتين :

__________________

(١) تقدّم في الصفحتين : ٤٤٧ ـ ٤٤٨.

١. ثبوت بناء العقلاء على إجراء الاستصحاب.

٢. كشف هذا البناء عن موافقة الشارع ، واشتراكه معهم.

وقد وقعت المناقشة في المقدّمتين معا. ويكفي في المناقشة ثبوت الاحتمال ، فيبطل به الاستدلال ؛ لأنّ مثل هذه المقدّمات يجب أن تكون قطعيّة ، وإلاّ فلا يثبت بها المطلوب ، ولا تقوم بها للاستصحاب ونحوه حجّة.

أمّا الأولى : فقد ناقش فيها أستاذنا الشيخ النائينيّ رحمه‌الله (١) بأنّ بناء العقلاء لم يثبت إلاّ فيما إذا كان الشكّ في الرافع ، أمّا : إذا كان الشكّ في المقتضي فلم يثبت منهم هذا البناء ـ على ما سيأتي من معنى المقتضي والرافع اللذين يقصدهما الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره (٢) ـ ، فيكون بناء العقلاء هذا دليلا على التفصيل المختار له ، وهو القول التاسع.

ولا يبعد صحّة ما أفاده من التفصيل في بناء العقلاء ، بل يكفي احتمال اختصاص بنائهم بالشكّ في الرافع. ومع الاحتمال يبطل الاستدلال ، كما سبق.

وأمّا المقدّمة الثانية : فقد ناقش فيها شيخنا الآخوند قدس‌سره في الكفاية (٣) بوجهين نذكرهما ، ونذكر الجواب عنهما :

أوّلا : أنّ بناء العقلاء لا يستكشف منه اعتبار الاستصحاب عند الشارع إلاّ إذا أحرزنا أنّ منشأ بنائهم العمليّ هو التعبّد بالحالة السابقة من قبلهم ـ أي إنّهم يأخذون بالحالة السابقة من أجل أنّها سابقة ـ ، لنستكشف منه تعبّد الشارع. ولكن ليس هذا بمحرز منهم لو لم يكن مقطوع العدم ؛ فإنّه من الجائز قريبا أنّ أخذهم بالحالة السابقة لا لأجل أنّها حالة سابقة ، بل لأجل رجاء تحصيل الواقع مرّة ، أو لأجل الاحتياط أخرى ، أو لأجل اطمئنانهم ببقاء ما كان ثالثة ، أو لأجل ظنّهم بالبقاء ولو نوعا رابعة ، أو لأجل غفلتهم عن الشكّ أحيانا خامسة. وإذا كان الأمر كذلك فلم يحرز تعبّد الشارع بالحالة السابقة الذي هو النافع في المقصود.

والجواب : أنّ المقصود النافع من ثبوت بناء العقلاء هو ثبوت تبانيهم العمليّ على الأخذ

__________________

(١) فوائد الأصول ٤ : ٣٣٣.

(٢) يأتي في الصفحة : ٦٣٨.

(٣) كفاية الأصول : ٤٣٩.