درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۹۳: اصول عملیه ۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

١. ثبوت بناء العقلاء على إجراء الاستصحاب.

٢. كشف هذا البناء عن موافقة الشارع ، واشتراكه معهم.

وقد وقعت المناقشة في المقدّمتين معا. ويكفي في المناقشة ثبوت الاحتمال ، فيبطل به الاستدلال ؛ لأنّ مثل هذه المقدّمات يجب أن تكون قطعيّة ، وإلاّ فلا يثبت بها المطلوب ، ولا تقوم بها للاستصحاب ونحوه حجّة.

أمّا الأولى : فقد ناقش فيها أستاذنا الشيخ النائينيّ رحمه‌الله (١) بأنّ بناء العقلاء لم يثبت إلاّ فيما إذا كان الشكّ في الرافع ، أمّا : إذا كان الشكّ في المقتضي فلم يثبت منهم هذا البناء ـ على ما سيأتي من معنى المقتضي والرافع اللذين يقصدهما الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره (٢) ـ ، فيكون بناء العقلاء هذا دليلا على التفصيل المختار له ، وهو القول التاسع.

ولا يبعد صحّة ما أفاده من التفصيل في بناء العقلاء ، بل يكفي احتمال اختصاص بنائهم بالشكّ في الرافع. ومع الاحتمال يبطل الاستدلال ، كما سبق.

وأمّا المقدّمة الثانية : فقد ناقش فيها شيخنا الآخوند قدس‌سره في الكفاية (٣) بوجهين نذكرهما ، ونذكر الجواب عنهما :

أوّلا : أنّ بناء العقلاء لا يستكشف منه اعتبار الاستصحاب عند الشارع إلاّ إذا أحرزنا أنّ منشأ بنائهم العمليّ هو التعبّد بالحالة السابقة من قبلهم ـ أي إنّهم يأخذون بالحالة السابقة من أجل أنّها سابقة ـ ، لنستكشف منه تعبّد الشارع. ولكن ليس هذا بمحرز منهم لو لم يكن مقطوع العدم ؛ فإنّه من الجائز قريبا أنّ أخذهم بالحالة السابقة لا لأجل أنّها حالة سابقة ، بل لأجل رجاء تحصيل الواقع مرّة ، أو لأجل الاحتياط أخرى ، أو لأجل اطمئنانهم ببقاء ما كان ثالثة ، أو لأجل ظنّهم بالبقاء ولو نوعا رابعة ، أو لأجل غفلتهم عن الشكّ أحيانا خامسة. وإذا كان الأمر كذلك فلم يحرز تعبّد الشارع بالحالة السابقة الذي هو النافع في المقصود.

والجواب : أنّ المقصود النافع من ثبوت بناء العقلاء هو ثبوت تبانيهم العمليّ على الأخذ

__________________

(١) فوائد الأصول ٤ : ٣٣٣.

(٢) يأتي في الصفحة : ٦٣٨.

(٣) كفاية الأصول : ٤٣٩.

بالحالة السابقة ، وهذا ثابت عندهم من غير شكّ ، أي إنّ لهم قاعدة عمليّة تبانوا عليها وو اتّبعوها أبدا ، مع الالتفات والتوجّه إلى ذلك (١). أمّا : فرض الغفلة من بعضهم أحيانا فهو صحيح ، ولكن لا يضرّ في ثبوت التباني منهم دائما مع الالتفات ؛ ولا يضرّ في استكشاف مشاركة الشارع معهم في تبانيهم اختلاف أسباب التباني عندهم ، من جهة مجرّد الكون السابق ، أو من جهة الاطمئنان عندهم ، أو الظنّ لأجل الغلبة ، أو لأيّ شيء آخر من هذا القبيل ، فهي قاعدة ثابتة عندهم ، فتكون ثابتة أيضا عند الشارع ، ولا يلزم أن يكون ثبوتها عنده من جميع الأسباب التي لاحظوها. وإذا ثبتت عند الشارع فليس ثبوتها عنده إلاّ التعبّد بها من قبله ، فتكون حجّة على المكلّف ، وله. (٢)

نعم ، احتمال كون السبب في بنائهم ولو أحيانا رجاء تحصيل الواقع ، أو الاحتياط من قبلهم قد يضرّ في استكشاف ثبوتها عند الشارع كقاعدة ؛ لأنّها لا تكون عندهم كقاعدة ؛ لأجل الحالة السابقة ، ولكنّ الرجاء بعيد جدّا من قبلهم ما لم يكن هناك عندهم اطمئنان ، أو ظنّ ، أو تعبّد بالحالة السابقة ؛ لاحتمال أنّ الواقع غير الحالة السابقة ، بل قد يترتّب على عدم البقاء أغراض مهمّة ، فالبناء على البقاء خلاف الرجاء. وكذلك الاحتياط قد يقتضي البناء على عدم البقاء. فهذه الاحتمالات ساقطة في كونها سببا لتباني العقلاء ولو أحيانا.

ثانيا : بعد التسليم بأنّ منشأ بناء العقلاء هو التعبّد ببقاء ما كان ، نقول : إنّ هذا لا يستكشف منه حكم الشارع إلاّ إذا أحرزنا رضاه ببنائهم ، وثبت لدينا أنّه ماض عنده. ولكن لا دليل على هذا الرضا والإمضاء ، بل إنّ عمومات الآيات والأخبار الناهية عن اتّباع غير العلم كافية في الردع عن اتّباع بناء العقلاء. (٣) وكذلك ما دلّ على البراءة والاحتياط في الشبهات. بل احتمال عمومها للمورد كاف في تزلزل اليقين بهذه المقدّمة. فلا وجه لاتّباع هذا البناء ؛ إذ لا بدّ في اتّباعه من قيام الدليل على أنّه ممضى من قبل

__________________

(١) أي مع التوجّه إلى ذلك التباني والاتّباع.

(٢) أي : تكون حجّة للشارع على المكلّف ، وللمكلّف على الشارع.

(٣) وهذا ينافي ما تقدّم منه في حجيّة خبر الواحد من أنّ الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم لا يمكن أن تكون رادعة إلاّ على وجه دائر ، ضرورة أنّه لا فرق في اعتبار السيرة العقلائيّة بين المقامين.