درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۹۴: اصول عملیه ۱۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

بالحالة السابقة ، وهذا ثابت عندهم من غير شكّ ، أي إنّ لهم قاعدة عمليّة تبانوا عليها وو اتّبعوها أبدا ، مع الالتفات والتوجّه إلى ذلك (١). أمّا : فرض الغفلة من بعضهم أحيانا فهو صحيح ، ولكن لا يضرّ في ثبوت التباني منهم دائما مع الالتفات ؛ ولا يضرّ في استكشاف مشاركة الشارع معهم في تبانيهم اختلاف أسباب التباني عندهم ، من جهة مجرّد الكون السابق ، أو من جهة الاطمئنان عندهم ، أو الظنّ لأجل الغلبة ، أو لأيّ شيء آخر من هذا القبيل ، فهي قاعدة ثابتة عندهم ، فتكون ثابتة أيضا عند الشارع ، ولا يلزم أن يكون ثبوتها عنده من جميع الأسباب التي لاحظوها. وإذا ثبتت عند الشارع فليس ثبوتها عنده إلاّ التعبّد بها من قبله ، فتكون حجّة على المكلّف ، وله. (٢)

نعم ، احتمال كون السبب في بنائهم ولو أحيانا رجاء تحصيل الواقع ، أو الاحتياط من قبلهم قد يضرّ في استكشاف ثبوتها عند الشارع كقاعدة ؛ لأنّها لا تكون عندهم كقاعدة ؛ لأجل الحالة السابقة ، ولكنّ الرجاء بعيد جدّا من قبلهم ما لم يكن هناك عندهم اطمئنان ، أو ظنّ ، أو تعبّد بالحالة السابقة ؛ لاحتمال أنّ الواقع غير الحالة السابقة ، بل قد يترتّب على عدم البقاء أغراض مهمّة ، فالبناء على البقاء خلاف الرجاء. وكذلك الاحتياط قد يقتضي البناء على عدم البقاء. فهذه الاحتمالات ساقطة في كونها سببا لتباني العقلاء ولو أحيانا.

ثانيا : بعد التسليم بأنّ منشأ بناء العقلاء هو التعبّد ببقاء ما كان ، نقول : إنّ هذا لا يستكشف منه حكم الشارع إلاّ إذا أحرزنا رضاه ببنائهم ، وثبت لدينا أنّه ماض عنده. ولكن لا دليل على هذا الرضا والإمضاء ، بل إنّ عمومات الآيات والأخبار الناهية عن اتّباع غير العلم كافية في الردع عن اتّباع بناء العقلاء. (٣) وكذلك ما دلّ على البراءة والاحتياط في الشبهات. بل احتمال عمومها للمورد كاف في تزلزل اليقين بهذه المقدّمة. فلا وجه لاتّباع هذا البناء ؛ إذ لا بدّ في اتّباعه من قيام الدليل على أنّه ممضى من قبل

__________________

(١) أي مع التوجّه إلى ذلك التباني والاتّباع.

(٢) أي : تكون حجّة للشارع على المكلّف ، وللمكلّف على الشارع.

(٣) وهذا ينافي ما تقدّم منه في حجيّة خبر الواحد من أنّ الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم لا يمكن أن تكون رادعة إلاّ على وجه دائر ، ضرورة أنّه لا فرق في اعتبار السيرة العقلائيّة بين المقامين.

الشارع ، ولا دليل.

والجواب ظاهر من تقريبنا للمقدّمة الثانية على النحو الذي بيّنّاه ، فإنّه لا يجب في كشف موافقة الشارع إحراز إمضائه من دليل آخر ؛ لأنّ نفس بناء العقلاء هو الدليل ، والكاشف عن موافقته ـ كما تقدّم ـ ، فيكفي في المطلوب عدم ثبوت الردع ، ولا حاجة إلى دليل آخر على إثبات رضاه وإمضائه.

وعليه ، فلم يبق علينا إلاّ النظر في الآيات والأخبار الناهية عن اتّباع غير العلم في أنّها صالحة للردع في المقام ، أو غير صالحة؟ والحقّ أنّها غير صالحة ؛ (١) لأنّ المقصود من النهي عن اتّباع غير العلم هو النهي عنه لإثبات الواقع به ، وليس المقصود من الاستصحاب إثبات الواقع ، فلا يشمل هذا النهي الاستصحاب الذي هو قاعدة كلّيّة يرجع إليها عند الشكّ ، فلا ترتبط بالموضوع الذي نهت عنه الآيات والأخبار ، حتى تكون شاملة لمثله ، أي إنّ الاستصحاب خارج عن الآيات والأخبار تخصّصا. (٢)

وأمّا : ما دلّ على البراءة أو الاحتياط فهو في عرض الدليل على الاستصحاب ، فلا يصلح للردع عنه ؛ لأنّ كلاّ منهما موضوعه الشكّ ، بل أدلّة الاستصحاب مقدّمة على أدلّة هذه الأصول ، كما سيأتي.

الدليل الثاني : حكم العقل

والمقصود منه هنا هو حكم العقل النظريّ لا العمليّ ؛ إذ يذعن بالملازمة بين العلم بثبوت الشيء في الزمان السابق وبين رجحان بقائه في الزمان اللاحق عند الشكّ في بقائه ، أي إنّه إذا علم الإنسان بثبوت شيء في زمان ثمّ طرأ ما يزلزل العلم ببقائه في الزمان اللاحق فإنّ العقل يحكم برجحان بقائه ، وبأنّه مظنون البقاء. وإذا حكم العقل برجحان البقاء فلا بدّ أن يحكم الشرع أيضا برجحان البقاء.

وإلى هذا يرجع ما نقل عن العضديّ في تعريف الاستصحاب بأنّ : «معناه أنّ الحكم

__________________

(١) خلافا للمحقّق الخراسانيّ ، حيث ذهب إلى أنّها صالحة للردع عن السيرة العقلائيّة فيما نحن فيه.

(٢) كما في فوائد الأصول ٤ : ٣٣٣.

الفلانيّ قد كان ولم يعلم عدمه ، وكلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء». (١)

أقول : وهذا الحكم من العقل لا ينهض دليلا على الاستصحاب على ما سنشرحه ، والظاهر أنّ القدماء القائلين بحجّيّته لم يكن عندهم دليل عليه ، غير هذا الدليل ، كما يظهر جليّا من تعريف العضدي المتقدّم ؛ إذ أخذ فيه نفس حكم العقل هذا ، ولعلّه لأجل هذا أنكره من أنكره من قدماء أصحابنا ؛ إذ لم يتنبّهوا إلى أدلّته الأخرى على ما يظهر ، فإنّه أوّل من تمسّك ببناء العقلاء العلاّمة الحلّيّ قدس‌سره في النهاية ، (٢) وأوّل من تمسّك بالأخبار الشيخ عبد الصمد والد الشيخ البهائيّ قدس‌سرهما ، (٣) تبعه صاحب الذخيرة (٤) ، وشارح الدروس ، (٥) ، وشاع بين من تأخّر عنهم ، (٦) كما حقّق ذلك الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره في رسائله في الأمر الأوّل من مقدّمات الاستصحاب ، ثمّ قال : «نعم ، ربما يظهر من الحلّيّ في السرائر الاعتماد على هذه الأخبار ، حيث عبّر عن استصحاب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره من قبل نفسه بعدم نقض اليقين إلاّ باليقين. وهذه العبارة ظاهرة في أنّها مأخوذة من الأخبار». (٧)

وعلى كلّ حال ، فهذا الدليل العقليّ فيه مجال للمناقشة من وجهين :

الأوّل : في أصل الملازمة العقليّة المدّعاة. ويكفي في تكذيبها الوجدان ؛ فإنّا نجد أنّ كثيرا ما يحصل العلم بالحالة السابقة ، ولا يحصل الظنّ ببقائها عند الشكّ ؛ لمجرّد ثبوتها سابقا.

الثاني : على تقدير تسليم هذه الملازمة ، فإنّ أقصى ما يثبت بها حصول الظنّ بالبقاء ، وهذا الظنّ لا يثبت به حكم الشرع إلاّ بضميمة دليل آخر يدلّ على حجّيّة هذا الظنّ

__________________

(١) هذا نقله عنه الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ٢ : ٥٤٢. وراجع شرح مختصر الأصول ٢ : ٤٥٣.

(٢) راجع كلامه المنقول في المقام في مفاتيح الأصول : ٤٦٠.

(٣) العقد الطهماسبي (مخطوط) : ٢٨.

(٤) ذخيرة المعاد : ٤٤ و ١١٥ ـ ١١٦.

(٥) مشارق الشموس : ٧٦ و ١٤١ ـ ١٤٢.

(٦) كالمحقّق البحرانيّ ، والمحقّق القمّي ، وصاحب الفصول. الحدائق الناضرة ١ : ١٤٢ ـ ١٤٣ ، الفصول الغرويّة : ٣٧٠ ؛ قوانين الأصول ٢ : ٥٥.

(٧) فرائد الأصول ٢ : ٥٤٣ ، وراجع كلام الحلّي : السرائر ١ : ٦٢.