درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۹۵: اصول عملیه ۱۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الفلانيّ قد كان ولم يعلم عدمه ، وكلّ ما كان كذلك فهو مظنون البقاء». (١)

أقول : وهذا الحكم من العقل لا ينهض دليلا على الاستصحاب على ما سنشرحه ، والظاهر أنّ القدماء القائلين بحجّيّته لم يكن عندهم دليل عليه ، غير هذا الدليل ، كما يظهر جليّا من تعريف العضدي المتقدّم ؛ إذ أخذ فيه نفس حكم العقل هذا ، ولعلّه لأجل هذا أنكره من أنكره من قدماء أصحابنا ؛ إذ لم يتنبّهوا إلى أدلّته الأخرى على ما يظهر ، فإنّه أوّل من تمسّك ببناء العقلاء العلاّمة الحلّيّ قدس‌سره في النهاية ، (٢) وأوّل من تمسّك بالأخبار الشيخ عبد الصمد والد الشيخ البهائيّ قدس‌سرهما ، (٣) تبعه صاحب الذخيرة (٤) ، وشارح الدروس ، (٥) ، وشاع بين من تأخّر عنهم ، (٦) كما حقّق ذلك الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره في رسائله في الأمر الأوّل من مقدّمات الاستصحاب ، ثمّ قال : «نعم ، ربما يظهر من الحلّيّ في السرائر الاعتماد على هذه الأخبار ، حيث عبّر عن استصحاب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره من قبل نفسه بعدم نقض اليقين إلاّ باليقين. وهذه العبارة ظاهرة في أنّها مأخوذة من الأخبار». (٧)

وعلى كلّ حال ، فهذا الدليل العقليّ فيه مجال للمناقشة من وجهين :

الأوّل : في أصل الملازمة العقليّة المدّعاة. ويكفي في تكذيبها الوجدان ؛ فإنّا نجد أنّ كثيرا ما يحصل العلم بالحالة السابقة ، ولا يحصل الظنّ ببقائها عند الشكّ ؛ لمجرّد ثبوتها سابقا.

الثاني : على تقدير تسليم هذه الملازمة ، فإنّ أقصى ما يثبت بها حصول الظنّ بالبقاء ، وهذا الظنّ لا يثبت به حكم الشرع إلاّ بضميمة دليل آخر يدلّ على حجّيّة هذا الظنّ

__________________

(١) هذا نقله عنه الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ٢ : ٥٤٢. وراجع شرح مختصر الأصول ٢ : ٤٥٣.

(٢) راجع كلامه المنقول في المقام في مفاتيح الأصول : ٤٦٠.

(٣) العقد الطهماسبي (مخطوط) : ٢٨.

(٤) ذخيرة المعاد : ٤٤ و ١١٥ ـ ١١٦.

(٥) مشارق الشموس : ٧٦ و ١٤١ ـ ١٤٢.

(٦) كالمحقّق البحرانيّ ، والمحقّق القمّي ، وصاحب الفصول. الحدائق الناضرة ١ : ١٤٢ ـ ١٤٣ ، الفصول الغرويّة : ٣٧٠ ؛ قوانين الأصول ٢ : ٥٥.

(٧) فرائد الأصول ٢ : ٥٤٣ ، وراجع كلام الحلّي : السرائر ١ : ٦٢.

بالخصوص ؛ ليستثنى ممّا دلّ على حرمة التعبّد بالظنّ ، والشأن كلّ الشأن في إثبات هذا الدليل. فلا تنهض هذه الملازمة العقليّة ـ على تقديرها ـ دليلا بنفسها على الحكم الشرعيّ. ولو كان هناك دليل على حجّيّة هذا الظنّ بالخصوص ، لكان هو الدليل على الاستصحاب لا الملازمة ، وإنّما تكون الملازمة محقّقة لموضوعه.

ثمّ ما المراد من قولهم : «إنّ الشارع يحكم برجحان البقاء على طبق حكم العقلاء (١)»؟ ، فإنّه على إطلاقه موجب للإيهام والمغالطة ؛ فإنّه إن كان المراد أنّه يظنّ بالبقاء كما يظنّ سائر الناس فلا معنى له. وإن كان المراد أنّه يحكم بحجّيّة هذا الرجحان فهذا لا تقتضيه الملازمة بل يحتاج إثبات ذلك إلى دليل آخر ، كما ذكرنا. وإن كان المراد أنّه يحكم بأنّ البقاء مظنون وراجح عند الناس ـ أي يعلم بذلك ـ ، فهذا وإن كان تقتضيه الملازمة ، ولكن هذا المقدار غير نافع ، ولا يكفي وحده في إثبات المطلوب ؛ إذ لا يكشف مجرّد علمه بحصول الظنّ عند الناس عن اعتباره لهذا الظنّ ، ورضاه به. والنافع في الباب إثبات هذا الاعتبار من قبله للظنّ ، لا حكمه بأنّ هذا الشيء مظنون البقاء عند الناس.

الدليل الثالث : الإجماع

نقل جماعة الاتّفاق على اعتبار الاستصحاب. منهم : صاحب المبادئ على ما نقل عنه ، (٢) إذ قال : «الاستصحاب [: الأقرب أنّه] حجّة [... و] لإجماع الفقهاء على أنّه متى حصل حكم ثمّ وقع الشكّ في أنّه طرأ ما يزيله أم لا؟ وجب الحكم ببقائه على ما كان أوّلا» (٣).

أقول : إنّ تحصيل الإجماع في هذه المسألة مشكل جدّا ؛ لوقوع الاختلافات الكثيرة فيها ـ كما سبق ـ ، إلاّ أن يراد منه حصول الإجماع في الجملة على نحو الموجبة الجزئيّة في مقابل السلب الكلّي ، وهذا الإجماع بهذا المقدار قطعيّ. ألا ترى أنّ الفقهاء في مسألة «من تيقّن بالطهارة وشكّ في الحدث أو الخبث» قد اتّفقت كلمتهم من زمن الشيخ

__________________

(١) انظر فرائد الأصول ٢ : ٥٦٣.

(٢) والناقل الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ٢ : ٥٦٢.

(٣) مبادئ الوصول : ٢٥٠ ـ ٢٥١.

الطوسيّ قدس‌سره ، بل من قبله إلى زماننا الحاضر على ترتيب آثار الطهارة السابقة بلا نكير منهم ، وكذا في كثير من المسائل ممّا هو نظير ذلك. ومعلوم أنّ فرض كلامهم في مورد الشكّ اللاحق لا في مورد الشكّ الساري ، فلا يكون حكمهم بذلك من جهة قاعدة اليقين ، بل ولا من جهة قاعدة المقتضي والمانع.

والحاصل أنّ هذا ومثله يكفي في الاستدلال على اعتبار الاستصحاب في الجملة في مقابل السلب الكلّي ، وهو قطعيّ بهذا المقدار. ويمكن حمل قول منكر الاستصحاب مطلقا على إنكار حجّيّته من طريق الظنّ ، لا من أيّ طريق كان ، في مقابل من قال بحجّيّته لأجل تلك الملازمة العقليّة المدّعاة.

نعم ، دعوى الإجماع على حجّيّة مطلق الاستصحاب (١) ، أو في خصوص ما إذا كان الشكّ في الرافع (٢) في غاية الإشكال ، بعد ما عرفت من تلك الأقوال.

الدليل الرابع : الأخبار

وهي العمدة في إثبات الاستصحاب ، وعليها التعويل ، وإذا كانت أخبار آحاد فقد تقدّم حجّيّة خبر الواحد ، مضافا إلى أنّها مستفيضة ، ومؤيّدة بكثير من القرائن العقليّة ، والنقليّة. وإذا كان الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره قد شكّ فيها بقوله : «هذه جملة ما وقفت عليه من الأخبار المستدلّ بها للاستصحاب ، وقد عرفت عدم ظهور الصحيح منها ، وعدم صحّة الظاهر منها» ، (٣) فإنّها في الحقيقة هي جلّ اعتماده في مختاره ، وقد عقّب هذا الكلام بقوله : «فلعلّ الاستدلال بالمجموع باعتبار التجابر والتعاضد» ، (٤) ثمّ أيّدها بالأخبار الواردة في الموارد الخاصّة (٥) :

__________________

(١) كما ادّعاه العلاّمة في : مبادئ الوصول كما مرّ.

(٢) كما هو مدّعى الشيخ الأنصاريّ ، واختاره المحقّق النائينيّ. راجع : فرائد الأصول ٢ : ٥٦٢ ، وفوائد الأصول ٤ : ٣٣٤.

(٣) فرائد الأصول ٢ : ٥٧٠.

(٤) فرائد الأصول ٢ : ٥٧٠.

(٥) فرائد الأصول ٢ : ٥٧١ ـ ٥٧٥.