درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۹۶: اصول عملیه ۱۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الطوسيّ قدس‌سره ، بل من قبله إلى زماننا الحاضر على ترتيب آثار الطهارة السابقة بلا نكير منهم ، وكذا في كثير من المسائل ممّا هو نظير ذلك. ومعلوم أنّ فرض كلامهم في مورد الشكّ اللاحق لا في مورد الشكّ الساري ، فلا يكون حكمهم بذلك من جهة قاعدة اليقين ، بل ولا من جهة قاعدة المقتضي والمانع.

والحاصل أنّ هذا ومثله يكفي في الاستدلال على اعتبار الاستصحاب في الجملة في مقابل السلب الكلّي ، وهو قطعيّ بهذا المقدار. ويمكن حمل قول منكر الاستصحاب مطلقا على إنكار حجّيّته من طريق الظنّ ، لا من أيّ طريق كان ، في مقابل من قال بحجّيّته لأجل تلك الملازمة العقليّة المدّعاة.

نعم ، دعوى الإجماع على حجّيّة مطلق الاستصحاب (١) ، أو في خصوص ما إذا كان الشكّ في الرافع (٢) في غاية الإشكال ، بعد ما عرفت من تلك الأقوال.

الدليل الرابع : الأخبار

وهي العمدة في إثبات الاستصحاب ، وعليها التعويل ، وإذا كانت أخبار آحاد فقد تقدّم حجّيّة خبر الواحد ، مضافا إلى أنّها مستفيضة ، ومؤيّدة بكثير من القرائن العقليّة ، والنقليّة. وإذا كان الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره قد شكّ فيها بقوله : «هذه جملة ما وقفت عليه من الأخبار المستدلّ بها للاستصحاب ، وقد عرفت عدم ظهور الصحيح منها ، وعدم صحّة الظاهر منها» ، (٣) فإنّها في الحقيقة هي جلّ اعتماده في مختاره ، وقد عقّب هذا الكلام بقوله : «فلعلّ الاستدلال بالمجموع باعتبار التجابر والتعاضد» ، (٤) ثمّ أيّدها بالأخبار الواردة في الموارد الخاصّة (٥) :

__________________

(١) كما ادّعاه العلاّمة في : مبادئ الوصول كما مرّ.

(٢) كما هو مدّعى الشيخ الأنصاريّ ، واختاره المحقّق النائينيّ. راجع : فرائد الأصول ٢ : ٥٦٢ ، وفوائد الأصول ٤ : ٣٣٤.

(٣) فرائد الأصول ٢ : ٥٧٠.

(٤) فرائد الأصول ٢ : ٥٧٠.

(٥) فرائد الأصول ٢ : ٥٧١ ـ ٥٧٥.

١. صحيحة زرارة الأولى :

وهي مضمرة ؛ لعدم ذكر الإمام المسئول فيها ، ولكنّه ـ كما قال الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره ـ لا يضرّها الإضمار ، والوجه في ذلك أنّ زرارة لا يروي عن غير الإمام (١) لا سيّما مثل هذا الحكم بهذا البيان (٢) ، والمنقول عن فوائد العلاّمة الطباطبائيّ أنّ المقصود به الإمام الباقر عليه‌السلام (٣).

قال : قلت له : الرجل ينام وهو على وضوء ، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟

فقال : «يا زرارة! قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن ، فإذا نامت العين والأذن والقلب فقد وجب الوضوء».

قلت : فإن حرّك في (٤) جنبه شيء وهو لا يعلم؟ (٥)

قال : «لا ، حتى يستيقن أنّه قد نام ، حتى يجيء من ذلك أمر بيّن. وإلاّ فإنّه (٦) على يقين من وضوئه. ولا ينقض (٧) اليقين بالشكّ أبدا. ولكنّه ينقضه (٨) بيقين آخر». (٩)

ونذكر في هذه الصحيحة بحثين :

الأوّل : في فقهها ، ولا يخفى أنّ فيها سؤالين :

أوّلهما : (١٠) عن شبهة مفهوميّة حكميّة لغرض معرفة سعة موضوع النوم من جهة كونه ناقضا للوضوء ؛ إذ لا شكّ في أنّه ليس المقصود السؤال عن معنى النوم لغة ولا عن كون

__________________

(١) كما في الكفاية : ٤٤١.

(٢) من متانة المتن.

(٣) والناقل هو المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ٣ : ٣٨. وفي الفصول أيضا يرويها عن الباقر عليه‌السلام ، الفصول الغرويّة : ٣٧٠.

(٤) وفي : الوسائل «على» ، وفي التهذيب «إلى».

(٥) وفي : الوسائل والتهذيب «ولم يعلم به».

(٦) وفي : التهذيب «وإلاّ فهو».

(٧) وفي : الوسائل : «ولا تنقض»

(٨) وفي : الوسائل : «وإنّما تنقضه».

(٩) التهذيب ١ : ٧ ـ ٨ ؛ الوسائل ١ : ١٧٤ ـ ١٧٥ ، الباب من أبواب نواقض الوضوء ، ح ١.

(١٠) وهو قول السائل : «أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟»

الخفقة أو الخفقتين ناقضة للوضوء على نحو الاستدلال في مقابل النوم ، فينحصر أن يكون مراده ـ والجواب قرينة على ذلك أيضا ـ هو السؤال عن شمول النوم الناقض للخفقة والخفقتين ، مع علم السائل بأنّ النوم في نفسه له مراتب تختلف شدّة وضعفا ، ومنها الخفقة والخفقتان ، ومع علمه بأنّ النوم ناقض للوضوء في الجملة ؛ فلذلك أجاب الإمام بتحديد النوم الناقض ، وهو الذي تنام فيه العين ، والقلب ، والأذن معا. أمّا : ما تنام فيه العين دون القلب والأذن ـ كما في الخفقة والخفقتين ـ فليس ناقضا.

وأمّا السؤال الثاني : فهو ـ لا شكّ ـ عن الشبهة الموضوعيّة بقرينة الجواب ؛ لأنّه لو كان مراد السائل الاستفهام عن مرتبة أخرى من النوم ـ [وهي] التي لا يحسّ معها بما يتحرّك في جنبه ـ لكان ينبغي أن يرفع الإمام شبهته بتحديد آخر للنوم الناقض. ولو كانت شبهة السائل شبهة مفهوميّة حكميّة ، لما كان معنى لفرض الشكّ في الحكم الواقعي فى جواب الإمام ، ثمّ إجراء الاستصحاب ، ولما صحّ أن يفرض الإمام استيقان السائل بالنوم تارة ، وعدم استيقانه أخرى ؛ لأنّ الشبهة لو كانت مفهوميّة حكميّة لكان السائل عالما بأنّ هذه المرتبة هي من النوم ، ولكن يجهل حكمها كالسؤال الأوّل.

وإذا كان الأمر كذلك ، فالجواب الأخير إذا كان متضمّنا لقاعدة الاستصحاب ـ كما سيأتي ـ فموردها يكون حينئذ خصوص الشبهة الموضوعيّة ، فيقال حينئذ : لا يستكشف من إطلاق الجواب عموم القاعدة للشبهة الحكميّة الذي يهمّنا بالدرجة الأولى إثباته ؛ إذ يكون المورد من قبيل القدر المتيقّن في مقام التخاطب ، وقد تقدّم في المقصد الأوّل أنّ ذلك يمنع من التمسّك بالإطلاق وإن لم يكن صالحا للقرينيّة (١) ؛ لما هو المعروف أنّ المورد لا يخصّص العامّ ، ولا يقيّد المطلق.

نعم ، قد يقال في الجواب : إنّ كلمة «أبدا» لها من قوّة الدلالة على العموم ، والإطلاق ما لا يحدّ منها القدر المتيقّن في مقام التخاطب ، فهي تعطي في ظهورها القويّ أنّ كلّ يقين ـ مهما كان متعلّقه وفي أيّ مورد كان ـ لا ينقض بالشكّ أبدا.

الثاني : في دلالتها على الاستصحاب ، وتقريب الاستدلال بها أنّ قوله عليه‌السلام : «فإنّه على

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ١٩٨.