درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۹۷: اصول علمیه ۱۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الخفقة أو الخفقتين ناقضة للوضوء على نحو الاستدلال في مقابل النوم ، فينحصر أن يكون مراده ـ والجواب قرينة على ذلك أيضا ـ هو السؤال عن شمول النوم الناقض للخفقة والخفقتين ، مع علم السائل بأنّ النوم في نفسه له مراتب تختلف شدّة وضعفا ، ومنها الخفقة والخفقتان ، ومع علمه بأنّ النوم ناقض للوضوء في الجملة ؛ فلذلك أجاب الإمام بتحديد النوم الناقض ، وهو الذي تنام فيه العين ، والقلب ، والأذن معا. أمّا : ما تنام فيه العين دون القلب والأذن ـ كما في الخفقة والخفقتين ـ فليس ناقضا.

وأمّا السؤال الثاني : فهو ـ لا شكّ ـ عن الشبهة الموضوعيّة بقرينة الجواب ؛ لأنّه لو كان مراد السائل الاستفهام عن مرتبة أخرى من النوم ـ [وهي] التي لا يحسّ معها بما يتحرّك في جنبه ـ لكان ينبغي أن يرفع الإمام شبهته بتحديد آخر للنوم الناقض. ولو كانت شبهة السائل شبهة مفهوميّة حكميّة ، لما كان معنى لفرض الشكّ في الحكم الواقعي فى جواب الإمام ، ثمّ إجراء الاستصحاب ، ولما صحّ أن يفرض الإمام استيقان السائل بالنوم تارة ، وعدم استيقانه أخرى ؛ لأنّ الشبهة لو كانت مفهوميّة حكميّة لكان السائل عالما بأنّ هذه المرتبة هي من النوم ، ولكن يجهل حكمها كالسؤال الأوّل.

وإذا كان الأمر كذلك ، فالجواب الأخير إذا كان متضمّنا لقاعدة الاستصحاب ـ كما سيأتي ـ فموردها يكون حينئذ خصوص الشبهة الموضوعيّة ، فيقال حينئذ : لا يستكشف من إطلاق الجواب عموم القاعدة للشبهة الحكميّة الذي يهمّنا بالدرجة الأولى إثباته ؛ إذ يكون المورد من قبيل القدر المتيقّن في مقام التخاطب ، وقد تقدّم في المقصد الأوّل أنّ ذلك يمنع من التمسّك بالإطلاق وإن لم يكن صالحا للقرينيّة (١) ؛ لما هو المعروف أنّ المورد لا يخصّص العامّ ، ولا يقيّد المطلق.

نعم ، قد يقال في الجواب : إنّ كلمة «أبدا» لها من قوّة الدلالة على العموم ، والإطلاق ما لا يحدّ منها القدر المتيقّن في مقام التخاطب ، فهي تعطي في ظهورها القويّ أنّ كلّ يقين ـ مهما كان متعلّقه وفي أيّ مورد كان ـ لا ينقض بالشكّ أبدا.

الثاني : في دلالتها على الاستصحاب ، وتقريب الاستدلال بها أنّ قوله عليه‌السلام : «فإنّه على

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ١٩٨.

يقين من وضوئه» جملة خبريّة هي جواب الشرط (١). ومعنى هذه الجملة الشرطيّة أنّه إن لم يستيقن بأنّه قد نام فإنّه باق على يقين من وضوئه ، أي إنّه لم يحصل ما يرفع اليقين به ، وهو اليقين بالنوم. وهذه مقدّمة تمهيديّة ، وتوطئة لبيان أنّ الشكّ ليس رافعا لليقين ، وإنّما الذي يرفعه اليقين بالنوم ، وليس الغرض منها إلاّ بيان أنّه على يقين من وضوئه ، ليقول ثانيا : إنّه لا ينبغي أن يرفع اليد عن هذا اليقين ؛ إذ لا موجب لانحلاله ورفع اليد عنه إلاّ الشكّ الموجود ، والشكّ بما هو شكّ لا يصلح أن يكون رافعا ، وناقضا لليقين ، وإنّما ينقض اليقين اليقين ، لا غير.

فقوله : «وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه» بمنزلة الصغرى ، وقوله : «ولا ينقض اليقين بالشكّ أبدا» بمنزلة الكبرى. وهذه الكبرى مفادها قاعدة الاستصحاب ، وهي البناء على اليقين السابق وعدم نقضه بالشكّ اللاحق ؛ فيفهم منها أنّ كلّ يقين سابق لا ينقضه الشكّ اللاحق.

هذا ، وقد وقعت المناقشة في الاستدلال بهذه الصحيحة من عدّة وجوه :

منها : ما أفاده الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره ، إذ قال : «ولكن مبنى الاستدلال على كون اللام في «اليقين» للجنس ؛ إذ لو كانت للعهد لكانت الكبرى المنضمّة إلى الصغرى : ولا ينقض اليقين بالوضوء بالشكّ ، فيفيد قاعدة كلّيّة في باب الوضوء» إلى آخر ما أفاده. ولكنّه استظهر أخيرا كون اللام للجنس. (٢)

__________________

(١) بنى الشيخ الأنصاريّ ومن حذا حذوه الاستدلال بهذه الصحيحة على أنّ جواب الشرط محذوف ، وأنّ قوله : «فإنّه على يقين من وضوئه» علّة للجواب قامت مقامه. وقال : «وجعله نفس الجزاء يحتاج إلى تكلّف» * ، فيكون معنى الرواية ـ على قوله ـ : أنّه إن لم يستيقن أنّه قد نام ، فلا يجب عليه الوضوء ؛ لأنّه على يقين من وضوئه في السابق. فحذف «فلا يجب عليه الوضوء» وأقام العلّة مقامه.

وهذا الوجه الذي ذكره وإن كان وجيها ولكنّ الحذف خلاف الأصل ، ولا موجب له ، ولا تكلّف في جعل الموجود نفس الجزاء على ما بيّنّاه في المتن. ولا يتوقّف الاستدلال بالصحيحة على هذا الوجه ، ولا على ذلك الوجه ، ولا على أيّ وجه آخر ذكروه ؛ فإنّ المقصود منها في بيان قاعدة الاستصحاب مفهوم واضح يحصل في جميع هذه الوجوه. ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) فرائد الأصول ٢ : ٥٦٤.

__________________

* فرائد الأصول ٢ : ٥٦٣ ـ ٥٦٤.