درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۹۸: اصول عملیه ۱۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

يقين من وضوئه» جملة خبريّة هي جواب الشرط (١). ومعنى هذه الجملة الشرطيّة أنّه إن لم يستيقن بأنّه قد نام فإنّه باق على يقين من وضوئه ، أي إنّه لم يحصل ما يرفع اليقين به ، وهو اليقين بالنوم. وهذه مقدّمة تمهيديّة ، وتوطئة لبيان أنّ الشكّ ليس رافعا لليقين ، وإنّما الذي يرفعه اليقين بالنوم ، وليس الغرض منها إلاّ بيان أنّه على يقين من وضوئه ، ليقول ثانيا : إنّه لا ينبغي أن يرفع اليد عن هذا اليقين ؛ إذ لا موجب لانحلاله ورفع اليد عنه إلاّ الشكّ الموجود ، والشكّ بما هو شكّ لا يصلح أن يكون رافعا ، وناقضا لليقين ، وإنّما ينقض اليقين اليقين ، لا غير.

فقوله : «وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه» بمنزلة الصغرى ، وقوله : «ولا ينقض اليقين بالشكّ أبدا» بمنزلة الكبرى. وهذه الكبرى مفادها قاعدة الاستصحاب ، وهي البناء على اليقين السابق وعدم نقضه بالشكّ اللاحق ؛ فيفهم منها أنّ كلّ يقين سابق لا ينقضه الشكّ اللاحق.

هذا ، وقد وقعت المناقشة في الاستدلال بهذه الصحيحة من عدّة وجوه :

منها : ما أفاده الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره ، إذ قال : «ولكن مبنى الاستدلال على كون اللام في «اليقين» للجنس ؛ إذ لو كانت للعهد لكانت الكبرى المنضمّة إلى الصغرى : ولا ينقض اليقين بالوضوء بالشكّ ، فيفيد قاعدة كلّيّة في باب الوضوء» إلى آخر ما أفاده. ولكنّه استظهر أخيرا كون اللام للجنس. (٢)

__________________

(١) بنى الشيخ الأنصاريّ ومن حذا حذوه الاستدلال بهذه الصحيحة على أنّ جواب الشرط محذوف ، وأنّ قوله : «فإنّه على يقين من وضوئه» علّة للجواب قامت مقامه. وقال : «وجعله نفس الجزاء يحتاج إلى تكلّف» * ، فيكون معنى الرواية ـ على قوله ـ : أنّه إن لم يستيقن أنّه قد نام ، فلا يجب عليه الوضوء ؛ لأنّه على يقين من وضوئه في السابق. فحذف «فلا يجب عليه الوضوء» وأقام العلّة مقامه.

وهذا الوجه الذي ذكره وإن كان وجيها ولكنّ الحذف خلاف الأصل ، ولا موجب له ، ولا تكلّف في جعل الموجود نفس الجزاء على ما بيّنّاه في المتن. ولا يتوقّف الاستدلال بالصحيحة على هذا الوجه ، ولا على ذلك الوجه ، ولا على أيّ وجه آخر ذكروه ؛ فإنّ المقصود منها في بيان قاعدة الاستصحاب مفهوم واضح يحصل في جميع هذه الوجوه. ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) فرائد الأصول ٢ : ٥٦٤.

__________________

* فرائد الأصول ٢ : ٥٦٣ ـ ٥٦٤.

أقول : إنّ كون اللام للعهد يقتضي أن يكون المراد من اليقين في الكبرى شخص اليقين المتقدّم ، فإنّ هذا هو معنى العهد. وعليه ، فلا تفيد قاعدة كلّيّة حتى في باب الوضوء.

ومنه تتّضح غرابة احتمال إرادة العهد من اللام ، بل ذلك مستهجن جدّا ، فإنّ ظاهر الكلام هو تطبيق كبرى على صغرى ، لا سيّما مع إضافة كلمة «أبدا» ، فيتعيّن أن تكون اللام للجنس.

ولكن مع ذلك هذا وحده غير كاف في التعميم لكلّ يقين حتى في غير الوضوء ؛ لإمكان أن يراد جنس اليقين بالوضوء ، بقرينة تقييده في الصغرى به ، لا كلّ يقين ، فيكون ذلك من قبيل القدر المتيقّن في مقام التخاطب ، فيمنع من التمسّك بالإطلاق ـ كما سبق نظيره ـ. وهذا الاحتمال لا ينافي كون الكبرى كلّيّة ، غاية الأمر تكون كبرى كلّيّة خاصّة بالوضوء.

فيتّضح أنّ مجرّد كون اللام للجنس لا يتمّ به الاستدلال مع تقدّم ما يصلح للقرينية ، ولعلّ هذا هو مراد الشيخ قدس‌سره من التعبير بالعهد ، ومقصوده تقدّم القرينة ، فكان ذلك تسامحا في التعبير.

وعلى كلّ حال ، فالظاهر من الصحيحة ـ ظهورا قويّا ـ إرادة مطلق اليقين لا خصوص اليقين بالوضوء ، وذلك لمناسبة الحكم والموضوع ؛ فإنّ المناسب لعدم النقض بالشكّ بما هو شكّ هو اليقين بما هو يقين ، لا بما هو يقين بالوضوء ؛ لأنّ المقابلة بين الشكّ واليقين ، وإسناد عدم النقض إلى الشكّ تجعل اللفظ كالصريح في أنّ العبرة في عدم جواز النقض هو جهة اليقين بما هو يقين ، لا اليقين المقيّد بالوضوء من جهة كونه مقيّدا بالوضوء.

ولا يصلح ذكر قيد «من وضوئه» في الصغرى أن يكون قرينة على التقييد في الكبرى ، ولا أن يكون من قبيل القدر المتيقّن في مقام التخاطب ؛ لأنّ طبيعة الصغرى أن تكون في دائرة أضيق من دائرة الكبرى ، ومفروض المسألة في الصغرى باب الوضوء ، فلا بدّ من ذكره.

وعليه ، فلا يبعد أن [يكون] مؤدّى الصغرى هكذا : «فإنّه من وضوئه على يقين» ، فلا تكون كلمة «من وضوئه» قيدا لليقين ، يعني أنّ الحدّ الأوسط المتكرّر هو «اليقين» لا «اليقين من وضوئه».

ومنها : أنّ الوضوء أمر آنيّ متصرّم ، ليس له استمرار في الوجود ، وإنّما الذي إذا ثبت استدام هو أثره ، وهو الطهارة ، ومتعلّق اليقين في الصحيحة هو الوضوء لا الطهارة ، ومتعلّق الشكّ هو المانع من استمرار أثر المتيقّن ، فيكون الشكّ في استمرار أثر المتيقّن لا المتيقّن نفسه. وعليه ، فلا يكون متعلّق اليقين نفس متعلّق الشكّ ، فانخرم الشرط الخامس في الاستصحاب ، ويكون ذلك موردا لقاعدة المقتضي والمانع. فتكون الصحيحة دليلا عليها لا على الاستصحاب.

وفيه : أنّ الجمود على لفظ «الوضوء» يوهم ذلك ، ولكنّ المتعارف من مثل هذا التعبير في لسان الأخبار إرادة الطهارة التي هي أثر له بإطلاق السبب وإرادة المسبّب ، ونفس صدر الصحيحة «الرجل ينام وهو على وضوء» يشعر بذلك. فالمتبادر والظاهر من قوله : «فإنّه على يقين من وضوئه» أنّه متيقّن بالطهارة المستمرّة لو لا الرافع لها ، والشكّ إنّما هو في ارتفاعها للشكّ في وجود الرافع. فيكون متعلّق اليقين نفس متعلّق الشكّ. فما أبعدها عن قاعدة المقتضي والمانع.

ومنها : ما أفاده الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره في مناقشة جميع الأخبار العامّة المستدلّ بها على حجّيّة مطلق الاستصحاب ، واستنتج من ذلك أنّها مختصّة بالشكّ في الرافع ، فيكون الاستصحاب حجّة فيه فقط ، قال رحمه‌الله : «فالمعروف بين المتأخّرين الاستدلال بها على حجّيّة الاستصحاب في جميع الموارد. وفيه تأمّل قد فتح بابه المحقّق الخوانساريّ في شرح الدروس». (١)

وسيأتي إن شاء الله (تعالى) في آخر الأخبار بيان هذه المناقشة ، ونقدها.

٢. صحيحة زرارة الثانية :

وهي أيضا مضمرة ، كالسابقة.

قال [زرارة] : قلت : أصاب ثوبي دم رعاف ، أو غيره ، أو شيء من منيّ ، فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء ، [فأصبت] ، وحضرت الصلاة ، ونسيت أنّ بثوبي شيئا وصلّيت ، ثمّ إنّي

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٥٧٤.