درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۹۹: اصول عملیه ۱۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ومنها : أنّ الوضوء أمر آنيّ متصرّم ، ليس له استمرار في الوجود ، وإنّما الذي إذا ثبت استدام هو أثره ، وهو الطهارة ، ومتعلّق اليقين في الصحيحة هو الوضوء لا الطهارة ، ومتعلّق الشكّ هو المانع من استمرار أثر المتيقّن ، فيكون الشكّ في استمرار أثر المتيقّن لا المتيقّن نفسه. وعليه ، فلا يكون متعلّق اليقين نفس متعلّق الشكّ ، فانخرم الشرط الخامس في الاستصحاب ، ويكون ذلك موردا لقاعدة المقتضي والمانع. فتكون الصحيحة دليلا عليها لا على الاستصحاب.

وفيه : أنّ الجمود على لفظ «الوضوء» يوهم ذلك ، ولكنّ المتعارف من مثل هذا التعبير في لسان الأخبار إرادة الطهارة التي هي أثر له بإطلاق السبب وإرادة المسبّب ، ونفس صدر الصحيحة «الرجل ينام وهو على وضوء» يشعر بذلك. فالمتبادر والظاهر من قوله : «فإنّه على يقين من وضوئه» أنّه متيقّن بالطهارة المستمرّة لو لا الرافع لها ، والشكّ إنّما هو في ارتفاعها للشكّ في وجود الرافع. فيكون متعلّق اليقين نفس متعلّق الشكّ. فما أبعدها عن قاعدة المقتضي والمانع.

ومنها : ما أفاده الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره في مناقشة جميع الأخبار العامّة المستدلّ بها على حجّيّة مطلق الاستصحاب ، واستنتج من ذلك أنّها مختصّة بالشكّ في الرافع ، فيكون الاستصحاب حجّة فيه فقط ، قال رحمه‌الله : «فالمعروف بين المتأخّرين الاستدلال بها على حجّيّة الاستصحاب في جميع الموارد. وفيه تأمّل قد فتح بابه المحقّق الخوانساريّ في شرح الدروس». (١)

وسيأتي إن شاء الله (تعالى) في آخر الأخبار بيان هذه المناقشة ، ونقدها.

٢. صحيحة زرارة الثانية :

وهي أيضا مضمرة ، كالسابقة.

قال [زرارة] : قلت : أصاب ثوبي دم رعاف ، أو غيره ، أو شيء من منيّ ، فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء ، [فأصبت] ، وحضرت الصلاة ، ونسيت أنّ بثوبي شيئا وصلّيت ، ثمّ إنّي

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٥٧٤.

ذكرت بعد ذلك؟

قال : «تعيد الصلاة وتغسله».

قلت : فإنّي لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنّه قد أصابه ، فطلبته ولم أقدر عليه ، فلمّا صلّيت وجدته؟

قال : «تغسله وتعيد».

قلت : فإن ظننت أنّه قد أصابه ولم أتيقّن ، فنظرت ولم أر شيئا ، فصلّيت فيه ، فرأيت فيه؟

قال : «تغسله ولا تعيد الصلاة».

قلت : لم ذلك؟

قال : «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت ، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا».

قلت : فإنّي قد علمت أنّه قد أصابه ولم أدر أين هو ، فأغسله؟

قال : «تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها ، حتى تكون على يقين من طهارتك».

قلت : فهل عليّ ـ إن شككت أنّه أصابه شيء ـ أن انظر فيه؟

قال : «لا ، ولكنّك إنّما تريد أن تذهب الشكّ الذي وقع في نفسك».

قلت : إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟

قال : «تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته ، وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ، ثمّ بنيت على الصلاة ؛ لأنّك لا تدري لعلّه شيء أوقع عليك ، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ» الحديث (١).

والاستدلال بهذه الصحيحة للمطلوب في فقرتين منها ، بل قيل في ثلاث : (٢)

الأولى : قوله : «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت ...» ؛ بناء على أنّ المراد من اليقين بالطهارة هو اليقين بالطهارة الواقع قبل ظنّ الإصابة بالنجاسة. وهذا المعنى هو

__________________

(١) تهذيب الأحكام ١ : ٤٤٦ ـ ٤٤٧ ح ١٣٣٥ ؛ الاستبصار ١ : ١٨٣ ح ٦٤١.

(٢) لم اعثر على المستدلّ بالثالثة.

الظاهر منها.

ويحتمل بعيدا أن يراد منه اليقين بالطهارة الواقع بعد ظنّ الإصابة وبعد الفحص عن النجاسة ؛ إذ قال : «فنظرت ولم أر شيئا» ، على أن يكون قوله : «ولم أر شيئا» عبارة أخرى عن اليقين بالطهارة. وعلى هذا الاحتمال يكون مفاد الرواية «قاعدة اليقين» لا الاستصحاب ؛ لأنّه يكون حينئذ مفاد قوله : «فرأيت فيه» تبدّل اليقين بالطهارة باليقين بالنجاسة.

ووجه بعد هذا الاحتمال أنّ قوله : «ولم أر شيئا» ليس فيه أيّ ظهور بحصول اليقين بالطهارة بعد النظر والفحص.

الثانية : قوله أخيرا : «فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ». ودلالتها كالفقرة الأولى ظاهرة على ما تقدّم في الصحيحة الأولى ـ من ظهور كون اللام في «اليقين» لجنس اليقين بما هو يقين ـ. وهذا المعنى هنا أظهر ممّا هو في الصحيحة الأولى.

الثالثة : قوله : «حتى تكون على يقين من طهارتك» ؛ فإنّه عليه‌السلام إذ جعل الغاية حصول اليقين بالطهارة من غسل الثوب في مورد سبق العلم بنجاسته يظهر منه أنّه لو لم يحصل اليقين بالطهارة فهو محكوم بالنجاسة ؛ لمكان سبق اليقين بها.

ولكنّ الاستدلال بهذه الفقرة مبنيّ على أنّ إحراز الطهارة ليس شرطا في الدخول في الصلاة ، وإلاّ لو كان الإحراز شرطا فيحتمل أن يكون إنّما جعل الغاية حصول اليقين بالطهارة لأجل إحراز الشرط المذكور ، لا لأجل التخلّص من جريان استصحاب النجاسة ، فلا يكون لها ظهور في الاستصحاب.

٣. صحيحة زرارة الثالثة :

قال : قلت له ـ أي الباقر أو الصادق عليهما‌السلام ـ : من لم يدر في أربع هو أو في ثنتين وقد أحرز الثنتين؟

قال : «يركع بركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ، ويتشهّد ، ولا شيء عليه. وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث ، قام فأضاف إليها أخرى ،