درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۰۰: اصول عملیه ۱۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الظاهر منها.

ويحتمل بعيدا أن يراد منه اليقين بالطهارة الواقع بعد ظنّ الإصابة وبعد الفحص عن النجاسة ؛ إذ قال : «فنظرت ولم أر شيئا» ، على أن يكون قوله : «ولم أر شيئا» عبارة أخرى عن اليقين بالطهارة. وعلى هذا الاحتمال يكون مفاد الرواية «قاعدة اليقين» لا الاستصحاب ؛ لأنّه يكون حينئذ مفاد قوله : «فرأيت فيه» تبدّل اليقين بالطهارة باليقين بالنجاسة.

ووجه بعد هذا الاحتمال أنّ قوله : «ولم أر شيئا» ليس فيه أيّ ظهور بحصول اليقين بالطهارة بعد النظر والفحص.

الثانية : قوله أخيرا : «فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ». ودلالتها كالفقرة الأولى ظاهرة على ما تقدّم في الصحيحة الأولى ـ من ظهور كون اللام في «اليقين» لجنس اليقين بما هو يقين ـ. وهذا المعنى هنا أظهر ممّا هو في الصحيحة الأولى.

الثالثة : قوله : «حتى تكون على يقين من طهارتك» ؛ فإنّه عليه‌السلام إذ جعل الغاية حصول اليقين بالطهارة من غسل الثوب في مورد سبق العلم بنجاسته يظهر منه أنّه لو لم يحصل اليقين بالطهارة فهو محكوم بالنجاسة ؛ لمكان سبق اليقين بها.

ولكنّ الاستدلال بهذه الفقرة مبنيّ على أنّ إحراز الطهارة ليس شرطا في الدخول في الصلاة ، وإلاّ لو كان الإحراز شرطا فيحتمل أن يكون إنّما جعل الغاية حصول اليقين بالطهارة لأجل إحراز الشرط المذكور ، لا لأجل التخلّص من جريان استصحاب النجاسة ، فلا يكون لها ظهور في الاستصحاب.

٣. صحيحة زرارة الثالثة :

قال : قلت له ـ أي الباقر أو الصادق عليهما‌السلام ـ : من لم يدر في أربع هو أو في ثنتين وقد أحرز الثنتين؟

قال : «يركع بركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ، ويتشهّد ، ولا شيء عليه. وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث ، قام فأضاف إليها أخرى ،

ولا شيء عليه ، ولا ينقض اليقين بالشكّ ، ولا يدخل الشكّ في اليقين ، ولا يخلط أحدهما بالآخر ، ولكن ينقض الشكّ باليقين ، ويتمّ على اليقين فيبني عليه ، ولا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات». (١)

وجه الاستدلال بها ـ على ما قيل (٢) ـ أنّه في الشكّ بين الثلاث والأربع ـ وقد أحرز الثلاث ـ يكون قد سبق منه اليقين بعدم الإتيان بالرابعة ، فيستصحب. ولذلك وجب عليه أن يضيف إليها رابعة ؛ لأنّه لا يجوز نقض اليقين بالشكّ ، بل لا بدّ أن ينقضه باليقين بإتيان الرابعة ، فينقض شكّه باليقين. وتكون هذه الفقرات الستّ كلّها تأكيدا على قاعدة الاستصحاب.

وقد تأمّل الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره في هذا الاستدلال ؛ (٣) لأنّه إنّما يتمّ إذا كان المراد بقوله : «قام فأضاف إليها أخرى» القيام للركعة الرابعة ، من دون تسليم في الركعة المردّدة بين الثالثة والرابعة ، حتى يكون حاصل جواب الإمام البناء على الأقلّ. ولكن هذا مخالف للمذهب ، وموافق لقول العامّة ، بل مخالف لظاهر الفقرة الأولى ، وهي قوله : «يركع بركعتين ... وهو قائم بفاتحة الكتاب» ؛ فإنّها ظاهرة ـ بسبب تعيين الفاتحة ـ في إرادة ركعتين منفصلتين ، أعني صلاة الاحتياط.

وعليه ، فيتعيّن أن يكون المراد به القيام بعد التسليم في الركعة المردّدة لركعة مستقلّة منفصلة. وإذا كان الأمر كذلك فيكون المراد من اليقين في جميع الفقرات اليقين بالبراءة الحاصل من الاحتياط بإتيان الركعة ، فتكون الفقرات الستّ واردة لبيان وجوب الاحتياط ، وتحصيل اليقين بفراغ الذمّة. وهذا أجنبيّ عن قاعدة الاستصحاب.

أقول : هذا خلاصة ما أفاده الشيخ ، ولكن حمل الفقرة الأولى : «ولا ينقض اليقين بالشكّ» على إرادة اليقين ببراءة الذمّة الحاصل من الأخذ بالاحتياط بعيد جدّا عن مساقها ، بل أبعد من البعيد ؛ لأنّ ظاهر هذا التعبير بل صريحه فرض حصول اليقين ، ثمّ النهي عن نقضه

__________________

(١) تهذيب الأحكام ٢ : ١٩٨ ح ٧٤٠ ؛ وسائل الشيعة ٥ : ٣٢١ ، الباب ١٠ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الحديث ٣.

(٢) راجع الكفاية : ٤٥٠ ؛ ونهاية الدراية ٣ : ٩٧ ، ومصباح الأصول ٣ : ٥٩.

(٣) فرائد الأصول ٢ : ٥٦٧.

في فرض حصوله ، بينما أنّ اليقين بالبراءة إنّما المطلوب تحصيله ، وهو غير حاصل ، فكيف يصحّ حمل هذه الجملة على الأمر بتحصيله؟! فلا بدّ أن يراد اليقين بشيء آخر غير البراءة.

وعليه ، فمن القريب جدّا أن يراد من اليقين اليقين بوقوع الثلاث وصحّتها ـ كما هو مفروض المسألة بقوله : «وقد أحرز الثلاث» ـ لا اليقين بعدم الإتيان بالرابعة ـ كما تصوّره هذا المستدلّ ، حتى يرد عليه ما أفاده الشيخ ـ ، وحينئذ فلو أراد المكلّف أن يعتدّ بشكّه فقد نقض اليقين بالشكّ ، واعتداده بشكّه بأحد أمور ثلاثة : إمّا بإبطال الصلاة وإعادتها رأسا ، وإمّا بالأخذ باحتمال نقصانها فيكمّلها برابعة ـ كما هو مذهب العامّة ـ ، وإمّا بالأخذ باحتمال كمالها ، بالبناء على الأكثر ، فيسلّم على المشكوكة من دون إتيان برابعة متّصلة ، وخلط أحدهما بالآخر.

ولأجل هذا عالج الإمام عليه‌السلام صلاة هذا الشاكّ ؛ لأجل المحافظة على يقينه بالثلاث ، وعدم نقضه بالشكّ ، وذلك بأن أمره بالقيام وإضافة ركعة أخرى ، ولا بدّ أنّها مفصولة ، ويفهم كونها مفصولة من صدر الرواية «يركع بركعتين ... وهو قائم بفاتحة الكتاب» ؛ فإنّ أسلوب العلاج لا بدّ أن يكون واحدا في الفرضين ؛ مضافا إلى أنّ ذلك يفهم من تأكيد الإمام بأن لا يدخل الشكّ في اليقين ، ولا يخلط أحدهما بالآخر ؛ لأنّه بإضافة ركعة متّصلة يقع الخلط ، وإدخال الشكّ في اليقين.

وعليه ، فتكون الرواية دالّة على قاعدة الاستصحاب من جهة ، ولكنّ المقصود فيها استصحاب وقوع الثلاث صحيحة ، كما أنّها تكون دالّة على علاج حالة الشكّ الذي لا يجوز نقض اليقين به من جهة أخرى ، وذلك بأمره بالقيام وإضافة ركعة منفصلة لتحصيل اليقين بصحّة الصلاة ؛ لأنّها إن كانت ثلاثا فقد جاء بالرابعة ، وإن كانت أربعا تكون الركعة المنفصلة نفلا.

ومنه يعلم أنّ المراد من «اليقين» في الفقرتين : الرابعة ، والخامسة «ولكن ينقض الشكّ باليقين ، ويتمّ على اليقين ويبني عليه» غير «اليقين» في الفقرات الأولى ، فإنّ المراد به هناك اليقين بوقوع الثلاث صحيحة ، والمراد به في هاتين الفقرتين اليقين بالبراءة ؛ لأنّه بإتيان ركعة منفصلة يحصل له اليقين ببراءة الذمّة ، فيكون ذلك نقضا للشكّ باليقين الحادث