درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۰۱: اصول عملیه ۱۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

في فرض حصوله ، بينما أنّ اليقين بالبراءة إنّما المطلوب تحصيله ، وهو غير حاصل ، فكيف يصحّ حمل هذه الجملة على الأمر بتحصيله؟! فلا بدّ أن يراد اليقين بشيء آخر غير البراءة.

وعليه ، فمن القريب جدّا أن يراد من اليقين اليقين بوقوع الثلاث وصحّتها ـ كما هو مفروض المسألة بقوله : «وقد أحرز الثلاث» ـ لا اليقين بعدم الإتيان بالرابعة ـ كما تصوّره هذا المستدلّ ، حتى يرد عليه ما أفاده الشيخ ـ ، وحينئذ فلو أراد المكلّف أن يعتدّ بشكّه فقد نقض اليقين بالشكّ ، واعتداده بشكّه بأحد أمور ثلاثة : إمّا بإبطال الصلاة وإعادتها رأسا ، وإمّا بالأخذ باحتمال نقصانها فيكمّلها برابعة ـ كما هو مذهب العامّة ـ ، وإمّا بالأخذ باحتمال كمالها ، بالبناء على الأكثر ، فيسلّم على المشكوكة من دون إتيان برابعة متّصلة ، وخلط أحدهما بالآخر.

ولأجل هذا عالج الإمام عليه‌السلام صلاة هذا الشاكّ ؛ لأجل المحافظة على يقينه بالثلاث ، وعدم نقضه بالشكّ ، وذلك بأن أمره بالقيام وإضافة ركعة أخرى ، ولا بدّ أنّها مفصولة ، ويفهم كونها مفصولة من صدر الرواية «يركع بركعتين ... وهو قائم بفاتحة الكتاب» ؛ فإنّ أسلوب العلاج لا بدّ أن يكون واحدا في الفرضين ؛ مضافا إلى أنّ ذلك يفهم من تأكيد الإمام بأن لا يدخل الشكّ في اليقين ، ولا يخلط أحدهما بالآخر ؛ لأنّه بإضافة ركعة متّصلة يقع الخلط ، وإدخال الشكّ في اليقين.

وعليه ، فتكون الرواية دالّة على قاعدة الاستصحاب من جهة ، ولكنّ المقصود فيها استصحاب وقوع الثلاث صحيحة ، كما أنّها تكون دالّة على علاج حالة الشكّ الذي لا يجوز نقض اليقين به من جهة أخرى ، وذلك بأمره بالقيام وإضافة ركعة منفصلة لتحصيل اليقين بصحّة الصلاة ؛ لأنّها إن كانت ثلاثا فقد جاء بالرابعة ، وإن كانت أربعا تكون الركعة المنفصلة نفلا.

ومنه يعلم أنّ المراد من «اليقين» في الفقرتين : الرابعة ، والخامسة «ولكن ينقض الشكّ باليقين ، ويتمّ على اليقين ويبني عليه» غير «اليقين» في الفقرات الأولى ، فإنّ المراد به هناك اليقين بوقوع الثلاث صحيحة ، والمراد به في هاتين الفقرتين اليقين بالبراءة ؛ لأنّه بإتيان ركعة منفصلة يحصل له اليقين ببراءة الذمّة ، فيكون ذلك نقضا للشكّ باليقين الحادث

من الاحتياط. ويفهم هذا التفصيل ـ من المراد باليقين ـ من الاستدراك وهو قوله : «ولكن» ، فإنّه بعد أن نهى عن نقض اليقين بالشكّ ذكر العلاج بقوله : «لكن» ، فهو أمر بنقض الشكّ باليقين ، والإتمام على اليقين ، والبناء عليه ، ولا يتصوّر ذلك إلاّ بإتيان ركعة منفصلة. ولا يجب ـ كما قيل (١) ـ أن يكون المراد من «اليقين» في جميع الفقرات معنى واحدا ، بل لا يصحّ ذلك ؛ فإنّ أسلوب الكلام لا يساعد عليه ؛ فإنّ الناقض للشكّ يجب أن يكون غير الذي ينقضه الشكّ.

والحاصل أنّ الرواية تكون خلاصة معناها النهي عن الإبطال ، والنهي عن الركون إلى ما تذهب إليه العامّة من البناء على الأقلّ ، والنهي عن البناء على الأكثر مع عدم الإتيان بركعة منفصلة. ثمّ تضمّنت الأمر ـ بعد ذلك ـ بما يؤدّي معنى الأخذ بالاحتياط بالإتيان بركعة منفصلة ، لأنّه بهذا يتحقّق نقض الشكّ باليقين والإتمام على اليقين والبناء عليه.

وعلى هذا ، فالرواية تتضمّن قاعدة الاستصحاب ، وتنطبق أيضا على باقي الروايات المبيّنة لمذهب الخاصّة ، وإن كانت ليست ظاهرة فيه على وجه تكون بيانا لمذهب الخاصّة ، ولكن صدرها يفسّرها. ويظهر أنّ الإمام عليه‌السلام أوكل الحكم وتفصيله إلى معروفيّة هذا الحكم عند السائل وإلى فهمه وذوقه ، وإنّما أراد أن يؤكّد على سرّ هذا الحكم ، والردّ على من يرى خلافه الذي فيه نقض لليقين بالشكّ وعدم الأخذ باليقين.

٤. رواية محمّد بن مسلم :

محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : من كان على يقين فشكّ ، فليمض على يقينه ، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين». (٢)

وفي رواية أخرى عنه عليه‌السلام بهذا المضمون : «من كان على يقين فأصابه شكّ فليمض على يقينه ، فإنّ اليقين لا يدفع بالشكّ». (٣)

__________________

(١) تعريض للشيخ الأنصاريّ ، والمحقّق الخراسانيّ ؛ فإنّ الظاهر من كلماتهما أنّ المراد من اليقين هو اليقين بالبراءة. فرائد الأصول ٢ : ٥٦٧ ؛ كفاية الأصول : ٤٥٠.

(٢) الخصال : ٦١٩.

(٣) الإرشاد (للمفيد) : ١٥٩.

استدلّ بعضهم (١) بهذه الرواية على الاستصحاب ، مدّعيا ظهورها فيه.

ولكنّ الذي نراه أنّها غير ظاهرة فيه ؛ فإنّ القدر المسلّم منها أنّها صريحة في أنّ مبدأ حدوث الشكّ بعد حدوث اليقين من أجل كلمة «الفاء» التي تدلّ على الترتيب ، غير أنّ هذا القدر من البيان يصحّ أن يراد منه قاعدة اليقين ، ويصحّ أن يراد منه قاعدة الاستصحاب ؛ إذ يجوز أن يراد أنّ اليقين قد زال بحدوث الشكّ ، فيتّحد زمان متعلّقهما ، فتكون موردا للقاعدة الأولى ، ويجوز أن يراد أنّ اليقين قد بقي إلى زمان الشكّ ، فيختلف زمان متعلّقهما ، فتكون موردا للاستصحاب. وليس في الرواية ظهور في أحدهما بالخصوص (٢) ، وإن قال الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره : «إنّها ظاهرة في وحدة زمان متعلّقهما (٣)» ، ولذلك قرّب أن تكون دالّة على قاعدة اليقين (٤). وقال الشيخ الآخوند قدس‌سره : «إنّها ظاهرة في اختلاف زمان متعلّقهما (٥)» ، فقرّب أن تكون دالّة على الاستصحاب. وقد ذكر كلّ منهما تقريبات لما استظهره ، لا نراها

__________________

(١) كالشيخ الأنصاريّ ، والمحقّق الخراسانيّ ، والمحقّقين النائينيّ والعراقيّ. فرائد الأصول ٢ : ٥٧٠ ؛ كفاية الأصول : ٤٥١ ؛ فوائد الأصول ٤ : ٣٦٥ ؛ نهاية الأفكار ٤ «القسم الأوّل» : ٦٣ ـ ٦٥.

وزعم بعضهم ـ ومنهم المصنّف ـ أنّ الشيخ الأنصاريّ ذهب إلى أنّ هذه الرواية تدلّ على قاعدة اليقين ؛ لأنّها صريحة في اختلاف زمان الوصفين ، وظاهرها اتّحاد زمان متعلّقهما.

والتحقيق أنّه وإن استشكل في الرواية بأنّ صريحها اختلاف زمان وصفي اليقين والشكّ ، وظاهرها وحدة زمان المتعلّق ، فتنطبق على قاعدة اليقين ، إلاّ أنّه ذكر في آخر كلامه أنّ الرواية بملاحظة قوله عليه‌السلام : «فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين» ظاهرة في الاستصحاب.

(٢) لا يخفى أنّ هنا مقدّمة مطويّة يجب التنبّه لها ، وهي أنّ تجرّد كلمة «اليقين» و «الشكّ» في الرواية من ذكر المتعلّق يدلّ على وحدة المتعلّق ، يعني أنّ هذا التجرّد يدلّ على أنّ ما تعلّق به اليقين هو نفس ما تعلّق به الشكّ ، وإلاّ فإنّ من المقطوع به أنّه ليس المراد اليقين بأيّ شيء كان والشكّ بأيّ شيء كان لا يرتبط بالمتيقّن. ولكن كونها دالّة على وحدة المتعلّق لا يجعلها ظاهرة في كونه واحدا في جميع الجهات ، حتى من جهة الزمان ، لتكون ظاهرة في قاعدة اليقين كما قيل. * ـ منه رحمه‌الله ـ

(٣) فرائد الأصول ٢ : ٥٦٩.

(٤) ولكنه صرّح في آخر كلامه بأنّها ظاهرة في الاستصحاب كما مرّ.

(٥) كفاية الأصول : ٤٥١.

__________________

* والقائل هو المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ٣ : ٩٩.

ناهضة على مطلوبهما.

وعليه ، فتكون الرواية مجملة من هذه الناحية ، إلاّ إذا جوّزنا الجمع في التعبير بين القاعدتين (١) ، وحينئذ تدلّ عليهما معا ، يعني أنّها تدلّ على أنّ اليقين بما هو يقين لا يجوز نقضه بالشك ، سواء كان ذلك اليقين هو المجامع للشكّ ، أو غير المجامع له. وقيل : «إنّه لا يجوز الجمع في التعبير بين القاعدتين ؛ لأنّه يلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، وهو مستحيل» (٢). وسيأتي إن شاء الله (تعالى) ما ينفع في المقام.

نعم ، يمكن دعوى ظهورها في الاستصحاب بالخصوص ، بأن يقال ـ كما قرّبه بعض أساتذتنا (٣) : إنّ الظاهر في كلّ كلام هو اتّحاد زمان النسبة مع زمان الجري ، فقوله عليه‌السلام : «فليمض على يقينه» يكون ظاهرا في أنّ زمان نسبة وجوب المضيّ على اليقين نفس زمان حصول اليقين. ولا ينطبق ذلك إلاّ على الاستصحاب ، لبقاء اليقين في مورده محفوظا إلى زمان العمل به. وأمّا : قاعدة اليقين فإنّ موردها الشكّ الساري ، فيكون اليقين في ظرف وجوب العمل به معدوما. ولعلّه من أجل هذا الظهور استظهر من استظهر دلالة الرواية على الاستصحاب. (٤)

٥ ـ مكاتبة علي بن محمّد القاساني :

قال : كتبت إليه ـ وأنا بالمدينة ـ أسأله عن اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان ، هل يصام أم لا؟

فكتب عليه‌السلام : «اليقين لا يدخله الشكّ ، صم للرؤية ، وأفطر للرؤية (٥)».

قال الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره : «والإنصاف أنّ هذه الرواية أظهرها في هذا الباب ، إلاّ أنّ سندها

__________________

(١) كما اختاره صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٣٧٣.

(٢) لم أعثر على من صرّح بهذا المطلب. نعم ، هو الظاهر من كلمات العلاّمة الآشتياني في بحر الفوائد ٣ : ٣٦.

(٣) كالمحقّقين النائينيّ والعراقي. فوائد الأصول ٤ : ٣٦٥ ؛ نهاية الأفكار ٤ «القسم الأوّل» : ٦٤.

(٤) كالشيخ الأنصاريّ والمحقّق الخراساني كما مرّ.

(٥) تهذيب الأحكام ٤ : ٢١٤ ، ح ٢٨ ؛ وسائل الشيعة ٧ : ١٨٤ ، الباب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث ١٣.