درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۰۲: اصول عملیه ۱۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ناهضة على مطلوبهما.

وعليه ، فتكون الرواية مجملة من هذه الناحية ، إلاّ إذا جوّزنا الجمع في التعبير بين القاعدتين (١) ، وحينئذ تدلّ عليهما معا ، يعني أنّها تدلّ على أنّ اليقين بما هو يقين لا يجوز نقضه بالشك ، سواء كان ذلك اليقين هو المجامع للشكّ ، أو غير المجامع له. وقيل : «إنّه لا يجوز الجمع في التعبير بين القاعدتين ؛ لأنّه يلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، وهو مستحيل» (٢). وسيأتي إن شاء الله (تعالى) ما ينفع في المقام.

نعم ، يمكن دعوى ظهورها في الاستصحاب بالخصوص ، بأن يقال ـ كما قرّبه بعض أساتذتنا (٣) : إنّ الظاهر في كلّ كلام هو اتّحاد زمان النسبة مع زمان الجري ، فقوله عليه‌السلام : «فليمض على يقينه» يكون ظاهرا في أنّ زمان نسبة وجوب المضيّ على اليقين نفس زمان حصول اليقين. ولا ينطبق ذلك إلاّ على الاستصحاب ، لبقاء اليقين في مورده محفوظا إلى زمان العمل به. وأمّا : قاعدة اليقين فإنّ موردها الشكّ الساري ، فيكون اليقين في ظرف وجوب العمل به معدوما. ولعلّه من أجل هذا الظهور استظهر من استظهر دلالة الرواية على الاستصحاب. (٤)

٥ ـ مكاتبة علي بن محمّد القاساني :

قال : كتبت إليه ـ وأنا بالمدينة ـ أسأله عن اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان ، هل يصام أم لا؟

فكتب عليه‌السلام : «اليقين لا يدخله الشكّ ، صم للرؤية ، وأفطر للرؤية (٥)».

قال الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره : «والإنصاف أنّ هذه الرواية أظهرها في هذا الباب ، إلاّ أنّ سندها

__________________

(١) كما اختاره صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٣٧٣.

(٢) لم أعثر على من صرّح بهذا المطلب. نعم ، هو الظاهر من كلمات العلاّمة الآشتياني في بحر الفوائد ٣ : ٣٦.

(٣) كالمحقّقين النائينيّ والعراقي. فوائد الأصول ٤ : ٣٦٥ ؛ نهاية الأفكار ٤ «القسم الأوّل» : ٦٤.

(٤) كالشيخ الأنصاريّ والمحقّق الخراساني كما مرّ.

(٥) تهذيب الأحكام ٤ : ٢١٤ ، ح ٢٨ ؛ وسائل الشيعة ٧ : ١٨٤ ، الباب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث ١٣.

غير سليم». وذكر في وجه دلالتها : «إنّ تفريع تحديد كلّ من الصوم والإفطار على رؤية هلالي رمضان وشوّال لا يستقيم إلاّ بإرادة عدم جعل اليقين السابق مدخولا بالشكّ ، أي مزاحما به» (١).

وقد أورد عليه صاحب الكفاية (٢) بما محصّله مع توضيح منّا : أنّا نمنع من ظهور هذه الرواية في الاستصحاب فضلا عن أظهريّتها ؛ نظرا إلى أنّ دلالتها عليه تتوقّف على أن يراد من «اليقين» اليقين بعدم دخول رمضان وعدم دخول شوّال ، ولكن ليس من البعيد أن يكون المراد به اليقين بدخول رمضان ـ المنوط به وجوب الصوم ـ واليقين بدخول شوّال المنوط به وجوب الإفطار. ومعنى «أنّه لا يدخله الشكّ» أنّه لا يعطى حكم اليقين للشكّ ، ولا ينزل منزلته ، بل المدار في وجوب الصوم والإفطار على اليقين فقط ، فأنّه وحده هو المناط في وجوبهما ـ أي إنّ الصوم والإفطار يدوران مداره ـ. ولذا قال عليه‌السلام بعده : «صم للرؤية ، وأفطر للرؤية» ؛ مؤكّدا لاشتراط وجوب الصوم والإفطار باليقين.

وهذا المضمون دلّت عليه جملة من الأخبار بقريب من هذا التعبير ممّا يقرّب إرادته من هذه الرواية ، ويؤكّده ، ولا بأس في ذكر بعض هذه الأخبار لتتّضح موافقتها لهذه الرواية :

منها : قول أبي جعفر عليه‌السلام : «إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا. وليس بالرأي ولا بالتظنّي ، ولكن بالرؤية» (٣).

ومنها : «صم للرؤية وأفطر للرؤية. وإيّاك والشكّ والظنّ. فإن خفي عليكم فأتمّوا الشهر الأوّل ثلاثين» (٤).

ومنها : «صيام شهر رمضان بالرؤية وليس بالظنّ» (٥).

إنّ تلك الأخبار العامّة المتقدّمة هي أهمّ ما استدلّ به للاستصحاب. وهناك أخبار

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٥٧٠.

(٢) وكذا العلاّمة النائيني. كفاية الأصول : ٤٥٢ ، وفوائد الأصول ٤ : ٣٦٦.

(٣) وسائل الشيعة ٧ : ٢٨٢ ، الباب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث ٢.

(٤) وسائل الشيعة ٧ : ١٨٤ ، الباب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث ١١.

(٥) وسائل الشيعة ٧ : ١٨٣ ، الباب ٣ من أبواب احكام شهر رمضان ، الحديث ٦.

خاصّة تؤيّدها. ذكر بعضها الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره (١). ونحن نذكر واحدة منها للاستئناس ، وهي رواية عبد الله بن سنان الواردة فيمن يعير ثوبه الذّميّ ، وهو يعلم أنّه يشرب الخمر ، ويأكل لحم الخنزير.

قال : فهل عليّ أن أغسله؟

فقال : «لا ؛ لأنّك أعرته إيّاه ، وهو طاهر ، ولم تستيقن أنّه نجّسه» (٢).

قال الشيخ قدس‌سره : «وفيها دلالة واضحة على أنّ وجه البناء على الطهارة وعدم وجوب غسله هو سبق طهارته وعدم العلم بارتفاعها» (٣).

مدى دلالة الأخبار

والمهمّ لنا أن نبحث الآن عن مدى دلالة تلكم الأخبار من جهة بعض التفصيلات المهمّة في الاستصحاب ، فنقول :

١. التفصيل بين الشبهة الحكميّة و [الشبهة] الموضوعيّة

إنّ المنسوب إلى الأخباريّين (٤) اعتبار الاستصحاب في خصوص الشبهة الموضوعيّة ، وأمّا الشبهات الحكميّة مطلقا فعلى القاعدة عندهم من وجوب الرجوع إلى قاعدة الاحتياط.

وعلّل ذلك بعضهم (٥) بأنّ أخبار الاستصحاب لا عموم لها ولا إطلاق يشمل الشبهة الحكميّة ؛ لأنّ القدر المتيقّن منها خصوص الشبهة الموضوعيّة ، لا سيّما أنّ بعضها وارد في خصوصها ، فلا تعارض أدلّة الاحتياط.

ولكنّ الإنصاف أنّ لأخبار الاستصحاب من قوّة الإطلاق والشمول ما يجعلها ظاهرة في شمولها للشبهة الحكميّة ، ولا سيّما أنّ أكثرها وارد مورد التعليل ، وظاهرها تعليق

__________________

(١) في فرائد الأصول ٢ : ٥٧١ ـ ٥٧٥.

(٢) التهذيب ٢ : ٣٨٨ ح ١٤٩٥ ؛ الاستبصار ١ : ٣٩٢ ح ١٤٩٧.

(٣) فرائد الأصول ٢ : ٥٧١.

(٤) نسب إليهم المحدّث البحرانيّ في الحدائق الناضرة ١ : ٥٢.

(٥) لم أعثر على من استدلّ به صريحا.

الحكم على اليقين من جهة ما هو يقين ـ كما سبق بيان ذلك في الصحيحة الأولى (١) ـ ، فيكون شمولها للشبهة الحكميّة حينئذ من باب التمسّك بالعلّة المنصوصة ؛ على أنّ رواية محمّد بن مسلم المتقدّمة عامّة لم ترد في خصوص الشبهة الموضوعيّة. فالحقّ شمول الأخبار للشبهتين.

وأمّا : أدلّة الاحتياط فقد تقدّمت المناقشة في دلالتها (٢) ، فلا تصلح لمعارضة أدلّة الاستصحاب.

٢. التفصيل بين الشكّ في المقتضي ، و [الشكّ في] الرافع

هذا هو القول التاسع المتقدّم ، والأصل فيه المحقّق الحلّي (٣) ، ثمّ المحقّق الخوانساريّ (٤) ، وأيّده كلّ التأييد الشيخ الأعظم قدس‌سره (٥) ، وقد دعمه (٦) جملة من تأخّر عنه. (٧)

وخالفهم في ذلك الشيخ الآخوند قدس‌سره ، فذهب إلى اعتبار الاستصحاب مطلقا ، (٨) وهو الحقّ ، ولكن بطريقة أخرى غير التي سلكها الشيخ الآخوند قدس‌سره.

ومن أجل هذا أصبح هذا التفصيل من أهمّ الأقوال التي عليها مدار المناقشات العلميّة في عصرنا. ويلزمنا النظر فيه من جهتين : من جهة المقصود من المقتضي والمانع ، ومن جهة مدى دلالة الأخبار عليه.

__________________

(١) راجع الصفحتين : ٦٢٣ ـ ٦٢٥.

(٢) تقدّمت في الصفحة : ٦١٩.

(٣) معارج الأصول : ٢٠٩ ـ ٢١٠.

(٤) مشارق الشموس : ٧٥.

ولا يخفى أنّه ذهب إلى التفصيل المذكور فيما إذا كان المستصحب مغيّا بغاية شكّ في تحقّقها من جهة الشبهة المصداقيّة.

وقال المحقّق العراقيّ : «أبدعه ـ أي التفصيل ـ المحقّق الخوانساريّ». نهاية الأفكار ٤ «القسم الأوّل» : ٧٥.

(٥) فرائد الأصول ٢ : ٥٦٢ ـ ٥٧٥.

(٦) أي : قوّاه.

(٧) انظر حاشية المحقّق الهمدانيّ على الرسائل : ٨١ ، وبحر الفوائد ٣ : ٤٣.

(٨) كفاية الأصول : ٤٣٩. واختاره المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٤ «القسم الأوّل» : ٨٧.