درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۰۳: اصول علمیه ۱۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الحكم على اليقين من جهة ما هو يقين ـ كما سبق بيان ذلك في الصحيحة الأولى (١) ـ ، فيكون شمولها للشبهة الحكميّة حينئذ من باب التمسّك بالعلّة المنصوصة ؛ على أنّ رواية محمّد بن مسلم المتقدّمة عامّة لم ترد في خصوص الشبهة الموضوعيّة. فالحقّ شمول الأخبار للشبهتين.

وأمّا : أدلّة الاحتياط فقد تقدّمت المناقشة في دلالتها (٢) ، فلا تصلح لمعارضة أدلّة الاستصحاب.

٢. التفصيل بين الشكّ في المقتضي ، و [الشكّ في] الرافع

هذا هو القول التاسع المتقدّم ، والأصل فيه المحقّق الحلّي (٣) ، ثمّ المحقّق الخوانساريّ (٤) ، وأيّده كلّ التأييد الشيخ الأعظم قدس‌سره (٥) ، وقد دعمه (٦) جملة من تأخّر عنه. (٧)

وخالفهم في ذلك الشيخ الآخوند قدس‌سره ، فذهب إلى اعتبار الاستصحاب مطلقا ، (٨) وهو الحقّ ، ولكن بطريقة أخرى غير التي سلكها الشيخ الآخوند قدس‌سره.

ومن أجل هذا أصبح هذا التفصيل من أهمّ الأقوال التي عليها مدار المناقشات العلميّة في عصرنا. ويلزمنا النظر فيه من جهتين : من جهة المقصود من المقتضي والمانع ، ومن جهة مدى دلالة الأخبار عليه.

__________________

(١) راجع الصفحتين : ٦٢٣ ـ ٦٢٥.

(٢) تقدّمت في الصفحة : ٦١٩.

(٣) معارج الأصول : ٢٠٩ ـ ٢١٠.

(٤) مشارق الشموس : ٧٥.

ولا يخفى أنّه ذهب إلى التفصيل المذكور فيما إذا كان المستصحب مغيّا بغاية شكّ في تحقّقها من جهة الشبهة المصداقيّة.

وقال المحقّق العراقيّ : «أبدعه ـ أي التفصيل ـ المحقّق الخوانساريّ». نهاية الأفكار ٤ «القسم الأوّل» : ٧٥.

(٥) فرائد الأصول ٢ : ٥٦٢ ـ ٥٧٥.

(٦) أي : قوّاه.

(٧) انظر حاشية المحقّق الهمدانيّ على الرسائل : ٨١ ، وبحر الفوائد ٣ : ٤٣.

(٨) كفاية الأصول : ٤٣٩. واختاره المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٤ «القسم الأوّل» : ٨٧.

أ : المقصود من المقتضي والمانع

ونحيل ذلك إلى تصريح الشيخ قدس‌سره نفسه ، فقد قال : «المراد بالشكّ من جهة المقتضي الشكّ من حيث استعداده ، وقابليّته في ذاته للبقاء ، كالشكّ في بقاء الليل ، والنهار ، وخيار الغبن بعد الزمان الأوّل». (١)

فيفهم منه أنّه ليس المراد من المقتضي ـ كما قد ينصرف ذلك من إطلاق كلمة «المقتضي» ـ مقتضي الحكم ، أي الملاك والمصلحة فيه (٢) ، ولا المقتضي لوجود الشيء في باب الأسباب والمسبّبات ، بحسب الجعل الشرعيّ ، (٣) مثل أن يقال : «إنّ الوضوء مقتض للطهارة» ، و «عقد النكاح مقتض للزوجيّة». بل المراد (٤) نفس استعداد المستصحب في ذاته للبقاء وقابليّته له من أيّة جهة كانت تلك القابليّة ، وسواء فهمت هذه القابليّة من الدليل ، أو من الخارج. ويختلف ذلك باختلاف المستصحبات وأحوالها ، فليس فيه نوع ، ولا صنف مضبوط من حيث مقدار الاستعداد ، كما صرّح بذلك الشيخ قدس‌سره (٥).

والتعبير عن الشكّ في القابليّة بـ «الشكّ في المقتضي» فيه نوع من المسامحة توجب الإيهام. وينبغي أن يعبّر عنه بـ «الشكّ في اقتضائه للبقاء» ، لا «الشكّ في المقتضي» ، ولكن بعد وضوح المقصود ، فالأمر سهل.

وأمّا : الشكّ في الرافع فعلى هذا يكون المقصود منه الشكّ في طروّ ما يرفع المستصحب ، مع القطع باستعداده وقابليّته للبقاء لو لا طروّ الرافع ، كما صرّح به الشيخ قدس‌سره ، وذكر أنّه على أقسام. (٦) والمتحصّل من مجموع كلامه في جملة مقامات أنّه ينقسم إلى

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٥٥٨ ـ ٥٥٩.

(٢) قال المحقّق العراقيّ : «ما أظنّ أحدا يريد من المقتضي في المقام ما هو الملاك لإحداث تشريع الحكم ، ولو لم يكن مقتضيا لبقائه». راجع تعليقاته على فوائد الأصول ٤ : ٣٢٤.

(٣) وهذا المعنى من المقتضي هو مراد المحقّق الحلّي في المعارج : ٢١٠ ، بقرينة تمثيله بعقد النكاح.

(٤) كما هو المعروف بين الأعلام على ما في كتاب الاستصحاب (للإمام الخمينىّ) : ١٧.

(٥) فرائد الأصول ٢ : ٥٥٩.

(٦) فرائد الأصول ٢ : ٥٥٩.

قسمين رئيسين : الشكّ في وجود الرافع ، والشكّ في رافعيّة الموجود. وهذا القسم الثاني أنكر المحقّق السبزواريّ حجّيّة الاستصحاب فيه بأقسامه الثلاثة ، الآتية ، وهو القول العاشر في تعداد الأقوال. (١) ونحن نذكر هذه الأقسام ؛ لتوضيح مقصود الشيخ قدس‌سره :

١. «الشكّ في وجود الرافع» ، ومثّل له بالشكّ في حدوث البول ، مع العلم بسبق الطهارة. (٢) وهو رحمه‌الله لا يعني به إلاّ الشكّ في الشبهة الموضوعيّة خاصّة.

وأمّا : ما كان في الشبهة الحكميّة فلا يعمّه كلامه ؛ لأنّ الشكّ في وجود الرافع فيها ينحصر عنده في الشكّ في النسخ خاصّة ؛ لأنّه لا معنى لرفع الحكم إلاّ نسخه. وإجراء الاستصحاب في عدم النسخ ـ كما قال (٣) ـ إجماعيّ بل ضروريّ. والسرّ في ذلك ما تقدّم في مباحث النسخ في الجزء الثالث ـ من أنّ إجماع المسلمين قائم على أنّه لا يصحّ النسخ إلاّ بدليل قطعيّ (٤) ـ ، فمع الشكّ لا بدّ أن يؤخذ بالحكم السابق المشكوك نسخه ، أي إنّ الأصل عدم النسخ لأجل هذا الإجماع ، لا لأجل حجّيّة الاستصحاب.

٢. «الشكّ في رافعيّة الموجود» ، وذلك بأن يحصل شيء معلوم الوجود قطعا ، ولكن يشكّ في كونه رافعا للحكم. وهو على أقسام ثلاثة :

الأوّل : فيما إذا كان الشكّ من أجل تردّد المستصحب بين ما يكون الموجود رافعا له وبين ما لا يكون. ومثّل (٥) له بما إذا علم بأنّه مشغول الذمّة بصلاة ما في ظهر يوم الجمعة ، ولا يعلم أنّها صلاة الجمعة أو صلاة الظهر ، فإذا صلّى الظهر ـ مثلا ـ فإنّه يتردّد أمره لا محالة في أنّ هذه الصلاة الموجودة التي وقعت منه هل هي رافعة لشغل الذمّة بالتكليف المذكور أو غير رافعة؟

الثاني : فيما إذا كان الشكّ من أجل الجهل بصفة الموجود في كونه رافعا مستقلاّ في

__________________

(١) ذخيرة المعاد : ١١٥ ـ ١١٦.

(٢) فرائد الأصول ٢ : ٥٥٩.

(٣) كذا ، والأولى «كما قيل» ، فإنّ الشيخ الأنصاريّ لم يقل : «إجماعي» ، بل نقل دعوى الإجماع ، بل الضرورة عن المحدّث الاسترآباديّ. فوائد الأصول ٢ : ٥٩٥.

(٤) تقدّم في الصفحة : ٤١٤.

(٥) أي الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ٢ : ٥٥٩.

الشرع ، كالمذي المشكوك في كونه ناقضا للطهارة ، مع العلم بعدم كونه مصداقا للرافع المعلوم [مفهومه] وهو البول.

الثالث : فيما إذا كان الشكّ من أجل الجهل بصفة الموجود في كونه مصداقا للرافع المعلوم مفهومه ، أو من أجل الجهل بها في كونه مصداقا للرافع المجهول مفهومه.

مثال الأوّل الشكّ في الرطوبة الخارجة في كونها بولا أو مذيا ، مع معلوميّة مفهوم البول والمذي وحكمهما.

ومثال الثاني الشكّ في النوم الحادث في كونه غالبا للسمع والبصر ، أو غالبا للبصر فقط ، مع الجهل بمفهوم النوم الناقض في أنّه يشمل النوم الغالب للبصر فقط.

ورأى الشيخ قدس‌سره أنّ الاستصحاب يجري في جميع هذه الأقسام ، سواء كان شكّا في وجود الرافع أو في رافعيّة الموجود بأقسامه الثلاثة ، خلافا للمحقّق السبزواريّ ؛ إذ اعتبر الاستصحاب في الشكّ في وجود الرافع فقط ، دون الشكّ في رافعيّة الموجود ، كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك.

ب : مدى دلالة الأخبار على هذا التفصيل

قال الشيخ الأعظم قدس‌سره : «إنّ حقيقة النقض هو رفع الهيئة الاتّصاليّة ، كما في نقض الحبل. والأقرب إليه ـ على تقدير مجازيّته ـ هو رفع الأمر الثابت» إلى أن قال : «فيختصّ متعلّقه بما من شأنه الاستمرار». (١)

وعليه ، فلا يشمل اليقين المنهيّ عن نقضه بالشكّ في الأخبار اليقين إذا تعلّق بأمر ليس من شأنه الاستمرار ، أو المشكوك استمراره.

توضيح مقصوده ـ مع المحافظة على ألفاظه حدّ الإمكان ـ أنّ النقض لغة لمّا كان معناه رفع الهيئة الاتّصاليّة (٢) كما في نقض الحبل ، فإنّ هذا المعنى الحقيقيّ ليس هو المراد من الروايات قطعا ؛ لأنّ المفروض في مواردها طروّ الشكّ في استمرار المتيقّن ، فلا هيئة

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٥٧٤.

(٢) ولا يخفى أنّ النقض في اللغة لم يفسّر برفع الهيئة الاتصاليّة ، بل فسّر بإفساد ما أبرم ، كما يأتي.