درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۰۴: اصول عملیه ۲۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الشرع ، كالمذي المشكوك في كونه ناقضا للطهارة ، مع العلم بعدم كونه مصداقا للرافع المعلوم [مفهومه] وهو البول.

الثالث : فيما إذا كان الشكّ من أجل الجهل بصفة الموجود في كونه مصداقا للرافع المعلوم مفهومه ، أو من أجل الجهل بها في كونه مصداقا للرافع المجهول مفهومه.

مثال الأوّل الشكّ في الرطوبة الخارجة في كونها بولا أو مذيا ، مع معلوميّة مفهوم البول والمذي وحكمهما.

ومثال الثاني الشكّ في النوم الحادث في كونه غالبا للسمع والبصر ، أو غالبا للبصر فقط ، مع الجهل بمفهوم النوم الناقض في أنّه يشمل النوم الغالب للبصر فقط.

ورأى الشيخ قدس‌سره أنّ الاستصحاب يجري في جميع هذه الأقسام ، سواء كان شكّا في وجود الرافع أو في رافعيّة الموجود بأقسامه الثلاثة ، خلافا للمحقّق السبزواريّ ؛ إذ اعتبر الاستصحاب في الشكّ في وجود الرافع فقط ، دون الشكّ في رافعيّة الموجود ، كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك.

ب : مدى دلالة الأخبار على هذا التفصيل

قال الشيخ الأعظم قدس‌سره : «إنّ حقيقة النقض هو رفع الهيئة الاتّصاليّة ، كما في نقض الحبل. والأقرب إليه ـ على تقدير مجازيّته ـ هو رفع الأمر الثابت» إلى أن قال : «فيختصّ متعلّقه بما من شأنه الاستمرار». (١)

وعليه ، فلا يشمل اليقين المنهيّ عن نقضه بالشكّ في الأخبار اليقين إذا تعلّق بأمر ليس من شأنه الاستمرار ، أو المشكوك استمراره.

توضيح مقصوده ـ مع المحافظة على ألفاظه حدّ الإمكان ـ أنّ النقض لغة لمّا كان معناه رفع الهيئة الاتّصاليّة (٢) كما في نقض الحبل ، فإنّ هذا المعنى الحقيقيّ ليس هو المراد من الروايات قطعا ؛ لأنّ المفروض في مواردها طروّ الشكّ في استمرار المتيقّن ، فلا هيئة

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٥٧٤.

(٢) ولا يخفى أنّ النقض في اللغة لم يفسّر برفع الهيئة الاتصاليّة ، بل فسّر بإفساد ما أبرم ، كما يأتي.

اتّصاليّة باقية لليقين ، ولا لمتعلّقه بعد الشكّ في بقائه واستمراره.

فيتعيّن أن يكون إسناد النقض إلى اليقين على نحو المجاز ، ولكن هذا المجاز له معنيان يدور الأمر بينهما ، وإذا تعدّدت المعاني المجازيّة فلا بدّ أن يحمل اللفظ على أقربها إلى المعنى الحقيقيّ. وهذا (١) يكون قرينة معيّنة للمعنى المجازيّ. وهنا المعنيان المجازيّان أحدهما أقرب من الآخر ، وهما :

١. أن يراد من النقض مطلق رفع اليد عن الشيء ، وترك العمل به ، وترتيب الأثر عليه ولو لعدم المقتضي له ، فيكون المنقوض عامّا شاملا لكلّ يقين.

٢. أن يراد منه رفع الأمر الثابت.

وهذا المعنى الثاني هو الأقرب إلى المعنى الحقيقيّ ، فهو الظاهر من إسناد النقض.

وحينئذ فيختصّ متعلّقه بما من شأنه الاستمرار المختصّ بالموارد التي يوجد فيها هذا المعنى.

والظاهر رجحان هذا المعنى الثاني على الأوّل ؛ لأنّ الفعل الخاصّ يصير مخصّصا لمتعلّقه إذا كان متعلّقه عامّا ، كما في قول القائل : «لا تضرب أحدا» ، فإنّ الضرب يكون قرينة على اختصاص متعلّقه بالأحياء ، ولا يكون عمومه للأموات قرينة على إرادة مطلق الضرب.

هذه خلاصة ما أفاده الشيخ قدس‌سره ، وقد وقعت فيه عدّة مناقشات نذكر أهمّها ، ونذكر ما عندنا ليتّضح مقصوده ، وليتجلّى الحقّ إن شاء الله (تعالى) :

١. المناقشة الأولى (٢) : أنّ النقض يقابل الإبرام. (٣) والنقض ـ كما فسّروه في اللغة (٤) ـ : «إفساد ما أبرم من عقد ، أو بناء ، أو حبل ، أو نحو ذلك». وعليه ، فتفسيره من الشيخ قدس‌سره برفع

__________________

(١) أي كون أحدها أقرب إلى المعنى الحقيقي.

(٢) كما في درر الفوائد ٢ : ١٦١.

(٣) وذهب المحقّق الخراسانيّ وتلميذه المحقّق الحائريّ إلى أنّ تقابلهما تقابل التضادّ.

ومختار المحقّق الأصفهانيّ أنّ تقابلهما ليس تقابل التضادّ ؛ لأنّه ليس هناك صفتان ثبوتيّتان تتعاقبان على موضوع واحد ، بل تقابلهما تقابل العدم والملكة ، فالنقض هو عدم الإبرام عمّا من شأنه أن يكوم مبرما. نهاية الدراية ٣ : ٥١.

(٤) راجع قاموس اللغة ، مادّة (النقض).

الهيئة الاتّصاليّة ليس واضحا ، بل ليس صحيحا ؛ إذ أنّ مقابل الاتّصال الانفصال ، فيكون معنى النقض حينئذ انفصال المتّصل. وهو بعيد جدّا عن معنى نقض العهد والعقد.

أقول : ليس من البعيد أن يريد الشيخ قدس‌سره من الاتّصال ما يقابل الانحلال ، وإن كان ذلك على نحو المسامحة منه في التعبير ، (١) لا ما يقابل الانفصال ، فلا إشكال.

٢. المناقشة الثانية : ـ وهي أهمّ مناقشة ـ عليها تبتني صحّة استدلاله على التفصيل ، أو بطلانه. وحاصلها أنّ هذا التوجيه من الشيخ قدس‌سره للاستدلال يتوقّف على التصرّف في اليقين بإرادة المتيقّن منه ، كما نبّه عليه نفسه ؛ (٢) لأنّه لو كان النقض مستندا إلى نفس اليقين ـ كما هو ظاهر التعبير ـ فإنّ اليقين بنفسه مبرم ومحكم ، فيصحّ إسناد النقض إليه ، ولو لم يكن لمتعلّقه في ذاته استعداد البقاء ؛ ضرورة أنّه لا يحتاج فرض الإبرام في المنقوض إلى فرض أن يكون متعلّق اليقين ثابتا ومبرما في نفسه ، حتى تختصّ حرمة النقض بالشكّ في الرافع.

ولكن لا تصحّ إرادة المتيقّن من اليقين على وجه يكون الإسناد اللفظيّ إلى نفس المتيقّن ؛ لأنّه إنّما يصحّ ذلك إذا كان على نحو المجاز في الكلمة ، أو على نحو حذف المضاف ، وكلا الوجهين بعيد كلّ البعد ؛ إذ لا علاقة بين اليقين والمتيقّن ، حتى يصحّ استعمال أحدهما مكان الآخر على نحو المجاز في الكلمة ، بل ينبغي أن يعدّ ذلك من الأغلاط. (٣) وأمّا : تقدير المضاف ـ بأنّ نقدّر متعلّق اليقين أو نحو ذلك ـ فإنّ تقدير المحذوف يحتاج إلى قرينة لفظيّة ، [وهي] مفقودة.

ومن أجل هذا استظهر المحقّق الآخوند قدس‌سره (٤) عموم الأخبار لموردي الشكّ في المقتضي والرافع ؛ لأنّ النقض إذا كان مسندا إلى نفس اليقين ، فلا يحتاج في صحّة إسناد النقض إليه إلى فرض أن يكون المتيقّن ممّا له استعداد للبقاء.

__________________

(١) كما قال المحقّق الأصفهانيّ : «ولعلّ المراد به الاتّصال المقابل للانحلال مسامحة». نهاية الدراية ٣ : ٥٣.

(٢) فرائد الأصول ٢ : ٥٧٥.

(٣) كذا قال المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٤ : ٣٧٤.

(٤) كفاية الأصول : ٤٣٩.

أقول : إنّ البحث عن هذا الموضوع بجميع أطرافه ، وتعقيب كلّ ما قيل في هذا الشأن من أساتذتنا ، وغيرهم يخرجنا عن طور هذه الرسالة ، (١) فالجدير بنا أن نكتفي بذكر خلاصة ما نراه من الحقّ في المسألة ، متجنّبين الإشارة إلى خصوصيّات الآراء ، والأقوال فيها حدّ الإمكان.

وعليه ، فنقول : ينبغي تقديم مقدّمات قبل بيان المختار ، وهي :

أوّلا : أنّه لا شكّ في أنّ النقض المنهيّ عنه مسند إلى اليقين في لفظ الأخبار ، وظاهرها أنّ وثاقة اليقين من جهة ما هو يقين هي المقتضية للتمسّك به وعدم نقضه في قبال الشكّ الذي هو عين الوهن والتزلزل ، لا سيّما مع التعبير فى بعضها (٢) بقوله عليه‌السلام : «لا ينبغي» ، والتعليل في البعض الآخر (٣) بوجود اليقين المشعر بعلّيته للحكم ، كما سبق بيانه في قوله عليه‌السلام : «فإنّه على يقين من وضوئه» ، ولا سيّما مع مقابلة اليقين بالشكّ ، ولا شكّ أنّه ليس المراد من الشكّ المشكوك.

وعلى هذا ، فيتّضح جليّا أنّ حمل اليقين على إرادة المتيقّن على وجه يكون الإسناد اللفظي إلى المتيقّن بنحو المجاز في الكلمة ، أو بنحو حذف المضاف خلاف الظاهر منها ، بل خلاف سياقها ، بل مستهجن جدّا ، فيتأيّد ما قاله المعترض. ولذا استعبد شيخنا المحقّق النائينيّ (٤) أن يريد الشيخ الأعظم قدس‌سره من «المجاز» المجاز في الكلمة ، وهو استبعاد في محلّه. وأبعد منه إرادة حذف المضاف.

ثانيا : أنّه من المسلّم به عند الجميع ـ الذي لا شكّ فيه أيضا ـ أنّ النهي عن نقض اليقين في الأخبار ليس على حقيقته. والسرّ واضح ؛ لأنّ اليقين ـ حسب الفرض ـ منتقض فعلا بالشكّ ، فلا يقع تحت اختيار المكلّف ، فلا يصحّ النهي عنه.

__________________

(١) وإن أردت الاطّلاع عليه فراجع كفاية الأصول : ٤٤٢ ـ ٤٤٥ ؛ نهاية الدراية ٣ : ٥١ ـ ٦٧ ؛ فوائد الأصول ٤ : ٣٧٢ ـ ٣٧٧ ؛ نهاية الأفكار ٤ «القسم الأوّل» : ٧٥ ـ ٨٧.

(٢) وهو صحيحة زرارة الثانية.

(٣) وهو صحيحة زرارة الأولى.

(٤) في فوائد الأصول ٤ : ٣٧٤.