درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۰۵: اصول عملیه ۲۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

أقول : إنّ البحث عن هذا الموضوع بجميع أطرافه ، وتعقيب كلّ ما قيل في هذا الشأن من أساتذتنا ، وغيرهم يخرجنا عن طور هذه الرسالة ، (١) فالجدير بنا أن نكتفي بذكر خلاصة ما نراه من الحقّ في المسألة ، متجنّبين الإشارة إلى خصوصيّات الآراء ، والأقوال فيها حدّ الإمكان.

وعليه ، فنقول : ينبغي تقديم مقدّمات قبل بيان المختار ، وهي :

أوّلا : أنّه لا شكّ في أنّ النقض المنهيّ عنه مسند إلى اليقين في لفظ الأخبار ، وظاهرها أنّ وثاقة اليقين من جهة ما هو يقين هي المقتضية للتمسّك به وعدم نقضه في قبال الشكّ الذي هو عين الوهن والتزلزل ، لا سيّما مع التعبير فى بعضها (٢) بقوله عليه‌السلام : «لا ينبغي» ، والتعليل في البعض الآخر (٣) بوجود اليقين المشعر بعلّيته للحكم ، كما سبق بيانه في قوله عليه‌السلام : «فإنّه على يقين من وضوئه» ، ولا سيّما مع مقابلة اليقين بالشكّ ، ولا شكّ أنّه ليس المراد من الشكّ المشكوك.

وعلى هذا ، فيتّضح جليّا أنّ حمل اليقين على إرادة المتيقّن على وجه يكون الإسناد اللفظي إلى المتيقّن بنحو المجاز في الكلمة ، أو بنحو حذف المضاف خلاف الظاهر منها ، بل خلاف سياقها ، بل مستهجن جدّا ، فيتأيّد ما قاله المعترض. ولذا استعبد شيخنا المحقّق النائينيّ (٤) أن يريد الشيخ الأعظم قدس‌سره من «المجاز» المجاز في الكلمة ، وهو استبعاد في محلّه. وأبعد منه إرادة حذف المضاف.

ثانيا : أنّه من المسلّم به عند الجميع ـ الذي لا شكّ فيه أيضا ـ أنّ النهي عن نقض اليقين في الأخبار ليس على حقيقته. والسرّ واضح ؛ لأنّ اليقين ـ حسب الفرض ـ منتقض فعلا بالشكّ ، فلا يقع تحت اختيار المكلّف ، فلا يصحّ النهي عنه.

__________________

(١) وإن أردت الاطّلاع عليه فراجع كفاية الأصول : ٤٤٢ ـ ٤٤٥ ؛ نهاية الدراية ٣ : ٥١ ـ ٦٧ ؛ فوائد الأصول ٤ : ٣٧٢ ـ ٣٧٧ ؛ نهاية الأفكار ٤ «القسم الأوّل» : ٧٥ ـ ٨٧.

(٢) وهو صحيحة زرارة الثانية.

(٣) وهو صحيحة زرارة الأولى.

(٤) في فوائد الأصول ٤ : ٣٧٤.

وحينئذ ، فلا معنى للنهي عنه إلاّ أن يراد به عدم الاعتناء بالشكّ عملا ، والبناء عليه كأنّه لم يكن ؛ لغرض ترتيب أحكام اليقين عند الشكّ ، ولكن لا يصحّ أن يقصد أحكام اليقين من جهة أنّه صفة من الصفات ؛ لارتفاع أحكامه بارتفاعه قطعا ، فلم يكن رفع اليد عن الحكم عملا نقضا له بالشكّ ، بل باليقين ؛ لزوال موضوع الحكم قطعا.

وعليه ، فالمراد من «الأحكام» الأحكام الثابتة للمتيقّن بواسطة اليقين به ، فهو تعبير آخر عن الأمر بالعمل بالحالة السابقة في الوقت اللاحق ... بمعنى وجوب العمل في مقام الشكّ بمثل العمل في مقام اليقين ، كأنّ الشكّ لم يكن ، فكأنّه قال : «اعمل في حال شكّك ، كما كنت تعمل في حال يقينك ، ولا تعتني بالشكّ».

إذا عرفت ذلك فيبقى أن نعرف على أيّ وجه يصحّ أن يكون التعبير بحرمة نقض اليقين تعبيرا عن ذلك المعنى؟ فإنّ ذلك لا يخلو بحسب التصوّر عن أحد أمور أربعة :

١. أن يكون المراد من «اليقين» المتيقّن على نحو المجاز في الكلمة.

٢. أن يكون النقض أيضا متعلّقا في لسان الدليل بنفس المتيقّن ، ولكن على حذف المضاف.

٣. أن يكون النقض المنهيّ عنه مسندا إلى اليقين على نحو المجاز في الإسناد ، ويكون في الحقيقة مسندا إلى نفس المتيقّن ، والمصحّح لذلك اتّحاد اليقين والمتيقّن ، أو كون اليقين آلة وطريقا إلى المتيقّن. (١)

٤. أن يكون النهي عن نقض اليقين كناية عن لزوم العمل بالمتيقّن ، وإجراء أحكامه ؛ لأنّ ذلك لازم معناه باعتبار أنّ اليقين بالشيء مقتض للعمل به ، فحلّه يلازم رفع اليد عن ذلك الشيء ، أو عن حكمه ؛ إذ لا يبقى حينئذ ما يقتضي العمل به ، فالنهي عن حلّه يلزمه النهي عن ترك مقتضاه ، أعني النهي عن ترك العمل بمتعلّقة. (٢)

وقد عرفت في المقدّمة الأولى ، وفي مناقشة الشيخ قدس‌سره بعد إرادة الوجهين الأوّلين ، فيدور الأمر بين الثالث والرابع ، والرابع هو الأوجه والأقرب ، ولعلّه هو مراد الشيخ الأعظم قدس‌سره ، وإن كان الذي يبدو من بعض تعبيراته إرادة الوجه الأوّل الذي استبعد شيخنا المحقّق

__________________

(١) كما في كفاية الأصول ٤٤٣ ـ ٤٤٥.

(٢) هذا الوجه يظهر من كلمات المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ٣ : ٦٠ ـ ٦١.

النائينيّ قدس‌سره أن يكون مقصوده ذلك كما تقدّم.

أمّا هو ـ أعني شيخنا النائينيّ قدس‌سره فلم يصرّح بإرادة أيّ من الوجهين الآخرين ، والأنسب ـ في عبارة بعض المقرّرين لبحثه ـ إرادة الوجه الثالث ؛ إذ قال : «إنّه يصحّ ورود النقض على اليقين بعناية المتيقّن» (١).

وعلى كلّ حال ، فالوجه الرابع ـ أعني الاستعمال الكنائي ـ أقرب الوجوه وأولاها ، (٢) وفيه من البلاغة في البيان ما ليس في غيره ، كما أنّ فيه المحافظة على ظهور الأخبار وسياقها في إسناد النقض إلى نفس اليقين ، وقد استظهرنا منها ـ كما تقدّم في المقدّمة الأولى ـ أنّ وثاقة اليقين بما هو يقين هي المقتضية للتمسّك به. وفي الكناية ـ كما هو المعروف ـ بيان للمراد ، مع إقامة الدليل عليه ، فإنّ المراد الاستعماليّ هنا ـ الذي هو حرمة نقض اليقين بالشكّ ـ يكون كالدليل والمستند للمراد الجدّيّ المقصود الأصليّ في البيان ، والمراد الجدّيّ هو لزوم العمل على وفق المتيقّن بلسان النهي عن نقض اليقين.

ثالثا : بعد ما تقدّم ينبغي أن نسأل عن المراد من النقض في الأخبار ، هل المراد النقض الحقيقيّ ، أو النقض العمليّ؟ المعروف أنّ إرادة النقض الحقيقيّ محال ، فلا بدّ أن يراد النقض العمليّ ؛ لأنّ نقض اليقين ـ كما تقدّم ـ ليس تحت اختيار المكلّف ، فلا يصحّ النهي عنه. وعلى هذا بنى الشيخ الأعظم ، وصاحب «الكفاية» وغيرهما قدس‌سرهم (٣).

ولكنّ التدقيق في المسألة يعطي غير هذا ، [وهو] إنّما يلزم هذا المحذور لو كان النهي عن نقض اليقين مرادا جدّيّا ، أمّا : على ما ذكرناه ـ من أنّه على وجه الكناية ـ فإنّه ـ كما ذكرنا ـ يكون مرادا استعماليّا فقط ، ولا محذور في كون المراد الاستعماليّ ـ في الكناية ـ محالا ، أو كاذبا في نفسه ، إنّما المحذور إذا كان المراد الجدّيّ المكنيّ عنه كذلك.

__________________

(١) هذا حاصل العبارة الموجودة في فوائد الأصول ٤ : ٣٧٤. وإليك نصّ عبارته : «وبالجملة لا إشكال في أنّ العناية المصحّحة لورود النقض على اليقين ...».

(٢) كما هو مختار أستاذه المحقّق الأصفهانيّ ، كما مرّ.

(٣) راجع فرائد الأصول : ٢ : ٥٧٤ ؛ كفاية الأصول : ٤٤٤ ؛ فوائد الأصول ٤ : ٣٧٤.