درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۰۶: اصول عملیه ۲۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

النائينيّ قدس‌سره أن يكون مقصوده ذلك كما تقدّم.

أمّا هو ـ أعني شيخنا النائينيّ قدس‌سره فلم يصرّح بإرادة أيّ من الوجهين الآخرين ، والأنسب ـ في عبارة بعض المقرّرين لبحثه ـ إرادة الوجه الثالث ؛ إذ قال : «إنّه يصحّ ورود النقض على اليقين بعناية المتيقّن» (١).

وعلى كلّ حال ، فالوجه الرابع ـ أعني الاستعمال الكنائي ـ أقرب الوجوه وأولاها ، (٢) وفيه من البلاغة في البيان ما ليس في غيره ، كما أنّ فيه المحافظة على ظهور الأخبار وسياقها في إسناد النقض إلى نفس اليقين ، وقد استظهرنا منها ـ كما تقدّم في المقدّمة الأولى ـ أنّ وثاقة اليقين بما هو يقين هي المقتضية للتمسّك به. وفي الكناية ـ كما هو المعروف ـ بيان للمراد ، مع إقامة الدليل عليه ، فإنّ المراد الاستعماليّ هنا ـ الذي هو حرمة نقض اليقين بالشكّ ـ يكون كالدليل والمستند للمراد الجدّيّ المقصود الأصليّ في البيان ، والمراد الجدّيّ هو لزوم العمل على وفق المتيقّن بلسان النهي عن نقض اليقين.

ثالثا : بعد ما تقدّم ينبغي أن نسأل عن المراد من النقض في الأخبار ، هل المراد النقض الحقيقيّ ، أو النقض العمليّ؟ المعروف أنّ إرادة النقض الحقيقيّ محال ، فلا بدّ أن يراد النقض العمليّ ؛ لأنّ نقض اليقين ـ كما تقدّم ـ ليس تحت اختيار المكلّف ، فلا يصحّ النهي عنه. وعلى هذا بنى الشيخ الأعظم ، وصاحب «الكفاية» وغيرهما قدس‌سرهم (٣).

ولكنّ التدقيق في المسألة يعطي غير هذا ، [وهو] إنّما يلزم هذا المحذور لو كان النهي عن نقض اليقين مرادا جدّيّا ، أمّا : على ما ذكرناه ـ من أنّه على وجه الكناية ـ فإنّه ـ كما ذكرنا ـ يكون مرادا استعماليّا فقط ، ولا محذور في كون المراد الاستعماليّ ـ في الكناية ـ محالا ، أو كاذبا في نفسه ، إنّما المحذور إذا كان المراد الجدّيّ المكنيّ عنه كذلك.

__________________

(١) هذا حاصل العبارة الموجودة في فوائد الأصول ٤ : ٣٧٤. وإليك نصّ عبارته : «وبالجملة لا إشكال في أنّ العناية المصحّحة لورود النقض على اليقين ...».

(٢) كما هو مختار أستاذه المحقّق الأصفهانيّ ، كما مرّ.

(٣) راجع فرائد الأصول : ٢ : ٥٧٤ ؛ كفاية الأصول : ٤٤٤ ؛ فوائد الأصول ٤ : ٣٧٤.

وعليه ، فحمل النقض على معناه الحقيقيّ أولى ، ما دام أنّ ذلك يصحّ بلا محذور.

النتيجة : أنّه إذا تمّت هذه المقدّمات فصحّ إسناد النقض الحقيقيّ إلى اليقين ؛ من أجل وثاقته من جهة ما هو يقين ، وإن كان النهي عنه يراد به لازم معناه على سبيل الكناية. فإنّا نقول : إنّ اليقين لمّا كان في نفسه مبرما ومحكما فلا يحتاج في صحّة إسناد النقض إليه إلى فرض أن يكون متعلّقه ممّا له استعداد في ذاته للبقاء ، وإنّما يلزم ذلك لو كان الإسناد اللفظيّ إلى نفس المتيقّن ولو على نحو المجاز. وأمّا : كون أنّ المراد الجدّيّ هو النهي عن ترك مقتضى اليقين ـ الذي هو عبارة عن لزوم العمل بالمتيقّن ـ فإنّ ذلك مراد لبّيّ ، وليس فيه إسناد للنقض إلى المتيقّن في مقام اللفظ ، حتى يكون ذلك قرينة لفظيّة على المراد من المتيقّن. والسرّ في ذلك أنّ الكناية لا يقدّر فيها لفظ المكنيّ عنه ، على أنّ المكنيّ عنه ليس هو حرمة نقض المتيقّن ، بل ـ كما تقدّم ـ هو حرمة ترك مقتضى اليقين الذي هو عبارة عن لزوم العمل بالمتيقّن ، فلا نقض مسند إلى المتيقّن ، لا لفظا ولا لبّا ، حتى يكون ذلك قرينة على أنّ المراد من المتيقّن هو ما له استعداد في ذاته للبقاء ؛ لأجل أن يكون مبرما يصحّ إسناد النقض إليه.

الخلاصة

وخلاصة ما توصّلنا إليه هو أنّ الحقّ أنّ النقض مسند إلى نفس اليقين ، بلا مجاز في الكلمة ، ولا في الإسناد ، ولا على حذف مضاف ، ولكنّ النهي عنه جعل عنوانا على سبيل الكناية عن لازم معناه ، وهو لزوم الأخذ بالمتيقّن في ثاني الحال بترتيب آثاره الشرعيّة عليه ، وهذا المكنيّ عنه عبارة أخرى عن الحكم ببقاء المتيقّن. وإذا كان النهي عن نقض اليقين من باب الكناية فلا يستدعي ذلك أن نفرض في متعلّقه استعداد البقاء ليتحقّق معنى النقض ؛ لأنّه متحقّق بدون ذلك.

وعليه ، فمقتضى الأخبار حجّيّة الاستصحاب في موردي الشكّ في المقتضي والرافع معا.

ونحن إذا توصّلنا إلى هنا من بيان حجّيّة الاستصحاب مطلقا في مقابل التفصيل الذي ذهب إليه الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره ، لا نجد كثير حاجة في التعرّض للتفصيلات الأخرى في هذا

المختصر ، ونحيل ذلك إلى المطوّلات ، لا سيّما رسالة الشيخ قدس‌سره في الاستصحاب ؛ (١) فإنّ فيما ذكره الغنى والكفاية.

تمرينات (٦٨)

١. هل يدلّ بناء العقلاء على حجّيّة الاستصحاب؟ بيّن وجه دلالته.

٢. ما هي المناقشة التي ذكرها المحقّق النائيني في الاستدلال ببناء العقلاء؟

٣. اذكر المناقشة التي ذكرها المحقّق الخراساني في الاستدلال ببناء العقلاء؟ واذكر الجواب عنه.

٤. هل الآيات والأخبار الناهية عن اتّباع غير العلم تصلح للردع عن اتّباع بناء العقلاء أو لا تصلح؟

٥. هل تصلح أدلّة البراءة أو الاحتياط للردع عن اتّباع بناء العقلاء أو لا تصلح؟

٦. هل يدلّ حكم العقل على حجّيّة الاستصحاب؟ اذكر المستدلّين به ، واذكر المناقشات الموجودة فيه.

٧. هل يدلّ الإجماع على حجّيّة الاستصحاب؟

٨. اذكر الصحيحة الأولى من زرارة ، واذكر فقهها.

٩. بيّن تقريب الاستدلال بصحيحة زرارة الأولى.

١٠. بيّن ما أفاده الشيخ الأنصاريّ في المناقشة في الاستدلال بالصحيحة الأولى. واذكر الجواب عنه.

١١. اذكر المناقشة الثانية في الاستدلال بالصحيحة الأولى ، واذكر الجواب عنها.

١٢. اذكر الصحيحة الثانية وتقريب الاستدلال بها على الاستصحاب.

١٣. اذكر الصحيحة الثالثة وتقريب الاستدلال بها على الاستصحاب.

١٤. بيّن ما أفاده الشيخ الأنصاري في المناقشة في الاستدلال بالصحيحة الثالثة ، واذكر الجواب عنه.

١٥. ما هي رواية محمد بن مسلم؟ وهل تدلّ على الاستصحاب؟

١٦. اذكر مكاتبة على بن محمد القاساني ، وتقريب الاستدلال بها.

١٧. ما هو إيراد المحقّق الخراساني على الاستدلال بالمكاتبة؟

١٨. ما هو المنسوب إلى الأخباريّين؟ وما هو دليلهم؟ وما الجواب عنه؟

١٩. من القائل بالتفصيل بين الشكّ في المقتضي والشكّ في الرافع؟

٢٠. ما مراد القائلين بالتفصيل من المقتضي والمانع؟ وما هو دليلهم عليه؟

٢١. ما هي المناقشة الأولى في التفصيل بين المقتضي والمانع؟ وما هو الجواب عنها؟

٢٢. اذكر المناقشة الثانية فى التفصيل المذكور.

٢٣. ما هو رأي المصنّف في المقام؟

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٥٨٨ ـ ٦٣٧.

تنبيهات الاستصحاب

بعد فراغ الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره من ذكر الأقوال في المسألة ومناقشتها شرع في بيان أمور ـ تتعلّق به ـ بلغت اثني عشر أمرا ، (١) واشتهرت باسم «تنبيهات الاستصحاب» ، فصار لها شأن كبير عند الأصوليّين ، وصارت موضع عنايتهم ؛ لما لأكثرها من الفوائد الكبيرة في الفقه ؛ ولما لها من المباحث الدقيقة الأصوليّة. وزاد فيها شيخ أساتذتنا في «الكفاية» تنبيهين ، فصارت أربعة عشر تنبيها (٢). ونحن ذاكرون بعون الله (تعالى) أهمّها ، متوخّين (٣) الاختصار حدّ الإمكان ، والاقتصار على ما ينفع الطالب المبتدئ.

التنبيه الأوّل : استصحاب الكلّيّ

الغرض من استصحاب الكلّيّ هو استصحابه فيما إذا تيقّن بوجوده في ضمن فرد من أفراده ثمّ شكّ في بقاء نفس ذلك الكلّيّ. وهذا الشكّ في بقاء الكلّيّ في ضمن أفراده يتصوّر على أنحاء ثلاثة ، عرفت باسم «أقسام استصحاب الكلّيّ» :

١. أن يكون الشكّ في بقاء الكلّيّ من جهة الشكّ في بقاء نفس ذلك الفرد الذي تيقّن بوجوده. (٤)

٢. أن يكون الشكّ في بقاء الكلّيّ من جهة الشكّ في تعيين ذلك الفرد المتيقّن سابقا ، بأن يتردّد الفرد بين ما هو باق جزما وبين ما هو مرتفع جزما ، أي إنّه كان قد تيقّن على الإجمال بوجود فرد ما من أفراد الكلّيّ ، فيتيقّن بوجود الكلّيّ في ضمنه ، ولكن هذا الفرد الواقعيّ مردّد عنده بين أن يكون له عمر طويل فهو باق جزما في الزمان الثاني وبين أن

__________________

(١) راجع فرائد الأصول ٢ : ٦٣٨ ـ ٦٨٩.

(٢) كفاية الأصول : ٤٥٩ ـ ٤٨٩.

(٣) أي : قاصدين.

(٤) سواء كان من جهة الشكّ في المقتضي أو الرافع. مثاله ما إذا علم بوجود الإنسان في الدار لعلمه بوجود زيد ـ مثلا ـ فيها ، ثمّ شكّ في بقاء زيد في الدار ، فيلزم منه الشكّ في بقاء الإنسان الكلّي.

يكون له عمر قصير فهو مرتفع جزما في الزمان الثاني. ومن أجل هذا الترديد يحصل له الشكّ في بقاء الكلّيّ.

مثاله ما إذا علم على الإجمال بخروج بلل مردّد بين أن يكون بولا أو منيّا ، ثمّ توضّأ ، فإنّه في هذا الحال يتيقّن بحصول الحدث الكلّيّ في ضمن هذا الفرد المردّد ، فإن كان البلل بولا فحدثه أصغر قد ارتفع بالوضوء جزما ، وإن كان منيّا فحدثه أكبر لم يرتفع بالوضوء ، فعلى القول بجريان استصحاب الكلّيّ يستصحب هنا كلّيّ الحدث ، فتترتّب عليه آثار كلّيّ الحدث ، مثل حرمة مسّ المصحف ، أمّا : آثار خصوص الحدث الأكبر أو الأصغر فلا تترتّب ، مثل حرمة دخول المسجد ، وقراءة العزائم.

٣. أن يكون الشكّ في بقاء الكلّيّ من جهة الشكّ في وجود فرد آخر مقام الفرد المعلوم حدوثه وارتفاعه ، أي إنّ الشكّ في بقاء الكلّيّ مستند إلى احتمال وجود فرد ثان ، غير الفرد المعلوم حدوثه وارتفاعه ؛ لأنّه إن كان الفرد الثاني قد وجد واقعا ، فإنّ الكلّيّ باق بوجوده. وإن لم يكن قد وجد فقد انقطع وجود الكلّيّ بارتفاع الفرد الأوّل. (١)

أمّا القسم الأوّل : فالحقّ فيه جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الكلّيّ ، فيترتّب عليه أثره الشرعيّ ، كما لا كلام في جريان استصحاب نفس الفرد ، فيترتّب عليه أثره الشرعيّ بما له من الخصوصيّة الفرديّة. وهذا لا خلاف فيه.

وأمّا القسم الثاني : فالحقّ فيه أيضا جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الكلّيّ ، وأمّا : بالنسبة إلى الفرد فلا يجري قطعا ، بل الفرد يجري فيه استصحاب عدم خصوصيّة الفرد ، ففي المثال المتقدّم يجري استصحاب كلّيّ الحدث بعد الوضوء ، فلا يجوز له مسّ المصحف ، أمّا : بالنسبة إلى خصوصيّة الفرد فالأصل عدمها ، فما هو آثار خصوص الجنابة ـ مثلا ـ لا يجب الأخذ بها ، فلا يحرم قبل الغسل ما يحرم على الجنب ، من نحو دخول المساجد ، وقراءة العزائم ، كما تقدّم. (٢)

ولأجل بيان صحّة جريان الاستصحاب في الكلّيّ في هذا القسم الثاني ، وحصول

__________________

(١) وهذا القسم على نحوين ، كما سيأتي في الصفحة : ٣٠٠.

(٢) تقدّم قبل أسطر.