درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۰۷: اصول عملیه ۲۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

يكون له عمر قصير فهو مرتفع جزما في الزمان الثاني. ومن أجل هذا الترديد يحصل له الشكّ في بقاء الكلّيّ.

مثاله ما إذا علم على الإجمال بخروج بلل مردّد بين أن يكون بولا أو منيّا ، ثمّ توضّأ ، فإنّه في هذا الحال يتيقّن بحصول الحدث الكلّيّ في ضمن هذا الفرد المردّد ، فإن كان البلل بولا فحدثه أصغر قد ارتفع بالوضوء جزما ، وإن كان منيّا فحدثه أكبر لم يرتفع بالوضوء ، فعلى القول بجريان استصحاب الكلّيّ يستصحب هنا كلّيّ الحدث ، فتترتّب عليه آثار كلّيّ الحدث ، مثل حرمة مسّ المصحف ، أمّا : آثار خصوص الحدث الأكبر أو الأصغر فلا تترتّب ، مثل حرمة دخول المسجد ، وقراءة العزائم.

٣. أن يكون الشكّ في بقاء الكلّيّ من جهة الشكّ في وجود فرد آخر مقام الفرد المعلوم حدوثه وارتفاعه ، أي إنّ الشكّ في بقاء الكلّيّ مستند إلى احتمال وجود فرد ثان ، غير الفرد المعلوم حدوثه وارتفاعه ؛ لأنّه إن كان الفرد الثاني قد وجد واقعا ، فإنّ الكلّيّ باق بوجوده. وإن لم يكن قد وجد فقد انقطع وجود الكلّيّ بارتفاع الفرد الأوّل. (١)

أمّا القسم الأوّل : فالحقّ فيه جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الكلّيّ ، فيترتّب عليه أثره الشرعيّ ، كما لا كلام في جريان استصحاب نفس الفرد ، فيترتّب عليه أثره الشرعيّ بما له من الخصوصيّة الفرديّة. وهذا لا خلاف فيه.

وأمّا القسم الثاني : فالحقّ فيه أيضا جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الكلّيّ ، وأمّا : بالنسبة إلى الفرد فلا يجري قطعا ، بل الفرد يجري فيه استصحاب عدم خصوصيّة الفرد ، ففي المثال المتقدّم يجري استصحاب كلّيّ الحدث بعد الوضوء ، فلا يجوز له مسّ المصحف ، أمّا : بالنسبة إلى خصوصيّة الفرد فالأصل عدمها ، فما هو آثار خصوص الجنابة ـ مثلا ـ لا يجب الأخذ بها ، فلا يحرم قبل الغسل ما يحرم على الجنب ، من نحو دخول المساجد ، وقراءة العزائم ، كما تقدّم. (٢)

ولأجل بيان صحّة جريان الاستصحاب في الكلّيّ في هذا القسم الثاني ، وحصول

__________________

(١) وهذا القسم على نحوين ، كما سيأتي في الصفحة : ٣٠٠.

(٢) تقدّم قبل أسطر.

أركانه لا بدّ من ذكر ما قيل : إنّه مانع من جريانه ، والجواب عنه. وقد أشار الشيخ قدس‌سره إلى الوجهين في المنع ، وأجاب عنهما ، وهما كلّ ما يمكن أن يقال في المنع :

الأوّل : قال : «وتوهّم عدم جريان الأصل في القدر المشترك من حيث دورانه بين ما هو مقطوع الانتفاء وما هو مشكوك الحدوث وهو محكوم الانتفاء بحكم الأصل». (١)

توضيح التوهّم أنّ أهمّ أركان الاستصحاب هو اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء ، وفي المقام إن حصل الركن الأوّل ـ وهو اليقين بالحدوث ـ فإنّ الركن الثاني ـ وهو الشكّ في البقاء ـ غير حاصل. وجه ذلك أنّ الكلّيّ لا وجود له إلاّ بوجود أفراده ، ومن الواضح أنّ وجود الكلّيّ في ضمن الفرد القصير مقطوع الارتفاع في الزمان الثاني وجدانا ، وأمّا وجوده في ضمن الفرد الطويل فهو مشكوك الحدوث من أوّل الأمر ، وهو منفيّ بالأصل ، فيكون الكلّيّ مرتفعا في الزمان الثاني ، إمّا وجدانا ، أو بالأصل تعبّدا ، فلا شكّ في بقائه.

والجواب : أنّ هذا التوهّم فيه خلط بين الكلّيّ وفرده ، أو فقل : فيه خلط بين ذات الحصّة من الكلّي ـ أي ذات الكلّيّ الطبيعيّ ـ وبين الحصّة منه بما لها من الخصوصيّة ، والتعيّن الخاصّ ، فإنّ الذي هو معلوم الارتفاع إمّا وجدانا أو تعبّدا إنّما هو الحصّة بما لها من التعيّن الخاصّ ، وهي بالإضافة إلى ذلك غير معلومة الحدوث أيضا ، فلم يتحقّق فيها الركنان معا ؛ لأنّه كما أنّ كلّ فرد من الفردين مشكوك الحدوث في نفسه ، فإنّ الحصّة الموجودة به بما لها من التعيّن الخاصّ كذلك مشكوكة الحدوث ؛ إذ لا يقين بوجود هذه الحصّة ، ولا يقين بوجود تلك الحصّة ، ولا موجود ثالث حسب الفرض.

وأمّا : ذات الحصّة المتعيّنة واقعا ، لا بما لها من التعيّن الخاصّ بهذا الفرد أو بذلك الفرد ـ أي القدر المشترك بينهما ـ ففي الوقت الذي هي فيه معلومة الحدوث هي مشكوكة البقاء ؛ إذ لا علم بارتفاعها ، ولا تعبّد بارتفاعها ، بل لأجل القطع بزوال التعيّن الخاصّ يشكّ في ارتفاعها وبقائها ؛ لاحتمال كون تعيّنها هو التعيّن الباقي ، أو هو التعيّن الزائل ، وارتفاع الفرد لا يقتضي إلاّ ارتفاع الحصّة المتعيّنة به ، وهي ـ كما قدّمنا ـ غير معلومة الحدوث ، وإنّما المعلوم [حدوثه هو] ذات الحصّة ، أي القدر المشترك.

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٦٣٩.

والحاصل أنّ ما هو غير مشكوك البقاء ـ إمّا وجدانا أو تعبّدا ـ لا يقين بحدوثه أصلا ، وهو الحصّة بما لها من التعيّن الخاصّ ، وما هو متيقّن الحدوث هو مشكوك البقاء وجدانا ، وهو ذات الحصّة ، لا بما لها من التعيّن الخاصّ. وقد أشار الشيخ قدس‌سره إلى هذا الجواب بقوله : «إنّه لا يقدح ذلك في استصحابه بعد فرض الشكّ في بقائه وارتفاعه» (١).

الثاني : قال الشيخ الأعظم قدس‌سره «توهّم كون الشكّ في بقائه مسبّبا عن الشكّ في حدوث ذلك المشكوك الحدوث ، فإذا حكم بأصالة عدم حدوثه لزمه ارتفاع القدر المشترك ؛ لأنّه من آثاره». (٢)

والجواب الصحيح هو ما أشار إليه بقوله : «فإنّ ارتفاع القدر المشترك من لوازم كون الحادث ذلك الأمر المقطوع الارتفاع ، لا من لوازم عدم حدوث الأمر الآخر. نعم ، اللازم من عدم حدوثه هو عدم وجود ما هو في ضمنه من القدر المشترك في الزمان الثاني ، لا ارتفاع القدر المشترك بين الأمرين. وبينهما فرق واضح» (٣).

توضيح ما أفاده من الجواب أنّا نمنع أن يكون الشكّ في بقاء القدر المشترك ـ أي الكلّي ـ مسبّبا عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل وعدمه ؛ لأنّ وجود الكلّيّ ـ حسب الفرض ـ متيقّن الحدوث من أوّل الأمر ، إمّا في ضمن القصير ، أو الطويل ، فلا يعقل أن يكون عدمه بعد وجوده مستندا إلى عدم الفرد الطويل من الأوّل ، وإلاّ لما وجد من الأوّل ، بل في الحقيقة أنّ الشكّ في بقاء الكلّي ـ أي في وجوده وعدمه ـ بعد فرض القطع بوجوده مستند إلى احتمال وجود هذا الفرد الطويل ، مع احتمال وجود ذلك الفرد القصير ، يعني يستند إلى الاحتمالين معا ، لا لخصوص احتمال وجود الطويل ؛ إذ يحتمل بقاء وجوده الأوّل ؛ لاحتمال حدوث الطويل ، ويحتمل عدمه بعد الوجود ؛ لاحتمال حدوث القصير المرتفع قطعا في ثاني الحال.

والحاصل أنّ احتمال وجود الكلّيّ وعدمه في ثاني الحال مسبّب عن الشكّ في أنّ الحادث المعلوم هل هو الطويل أو القصير؟ لا أنّه مسبّب عن خصوص احتمال حدوث الطويل ، حتى يكون نفيه بالأصل موجبا لنفي الشكّ في وجود الكلّي في ثاني الحال ،

__________________

(١ ـ ٢ ـ ٣). فرائد الأصول ٢ : ٦٣٩.