درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۰۸: اصول عملیه ۲۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

والحاصل أنّ ما هو غير مشكوك البقاء ـ إمّا وجدانا أو تعبّدا ـ لا يقين بحدوثه أصلا ، وهو الحصّة بما لها من التعيّن الخاصّ ، وما هو متيقّن الحدوث هو مشكوك البقاء وجدانا ، وهو ذات الحصّة ، لا بما لها من التعيّن الخاصّ. وقد أشار الشيخ قدس‌سره إلى هذا الجواب بقوله : «إنّه لا يقدح ذلك في استصحابه بعد فرض الشكّ في بقائه وارتفاعه» (١).

الثاني : قال الشيخ الأعظم قدس‌سره «توهّم كون الشكّ في بقائه مسبّبا عن الشكّ في حدوث ذلك المشكوك الحدوث ، فإذا حكم بأصالة عدم حدوثه لزمه ارتفاع القدر المشترك ؛ لأنّه من آثاره». (٢)

والجواب الصحيح هو ما أشار إليه بقوله : «فإنّ ارتفاع القدر المشترك من لوازم كون الحادث ذلك الأمر المقطوع الارتفاع ، لا من لوازم عدم حدوث الأمر الآخر. نعم ، اللازم من عدم حدوثه هو عدم وجود ما هو في ضمنه من القدر المشترك في الزمان الثاني ، لا ارتفاع القدر المشترك بين الأمرين. وبينهما فرق واضح» (٣).

توضيح ما أفاده من الجواب أنّا نمنع أن يكون الشكّ في بقاء القدر المشترك ـ أي الكلّي ـ مسبّبا عن الشكّ في حدوث الفرد الطويل وعدمه ؛ لأنّ وجود الكلّيّ ـ حسب الفرض ـ متيقّن الحدوث من أوّل الأمر ، إمّا في ضمن القصير ، أو الطويل ، فلا يعقل أن يكون عدمه بعد وجوده مستندا إلى عدم الفرد الطويل من الأوّل ، وإلاّ لما وجد من الأوّل ، بل في الحقيقة أنّ الشكّ في بقاء الكلّي ـ أي في وجوده وعدمه ـ بعد فرض القطع بوجوده مستند إلى احتمال وجود هذا الفرد الطويل ، مع احتمال وجود ذلك الفرد القصير ، يعني يستند إلى الاحتمالين معا ، لا لخصوص احتمال وجود الطويل ؛ إذ يحتمل بقاء وجوده الأوّل ؛ لاحتمال حدوث الطويل ، ويحتمل عدمه بعد الوجود ؛ لاحتمال حدوث القصير المرتفع قطعا في ثاني الحال.

والحاصل أنّ احتمال وجود الكلّيّ وعدمه في ثاني الحال مسبّب عن الشكّ في أنّ الحادث المعلوم هل هو الطويل أو القصير؟ لا أنّه مسبّب عن خصوص احتمال حدوث الطويل ، حتى يكون نفيه بالأصل موجبا لنفي الشكّ في وجود الكلّي في ثاني الحال ،

__________________

(١ ـ ٢ ـ ٣). فرائد الأصول ٢ : ٦٣٩.

فلا بدّ من نفي كلّ من الفردين بالأصل ، حتى يكون ذلك موجبا لارتفاع القدر المشترك ، والأصلان معا لا يجريان مع فرض العلم الإجمالي.

وأمّا القسم الثالث : ـ وهو ما إذا كان الشكّ في بقاء الكلّيّ مستندا إلى احتمال وجود فرد ثان ، غير الفرد المعلوم حدوثه ثمّ ارتفاعه ـ فهو على نحوين :

١. أن يحتمل حدوث الفرد الثاني في ظرف وجود الأوّل.

٢. أن يحتمل حدوثه مقارنا لارتفاع الأوّل ، وهو على نحوين : إمّا بتبدّله إليه ، أو بمجرّد المقارنة الاتّفاقيّة بين الارتفاع الأوّل ، وحدوث الثاني.

وفي جريان الاستصحاب في هذا القسم الثالث من الكلّي احتمالات ، أو أقوال ثلاثة :

أ : جريانه مطلقا. (١)

ب : عدم جريانه مطلقا (٢).

ج : التفصيل بين النحوين المذكورين ، فيجري في الأوّل ، دون الثاني مطلقا. وهذا التفصيل هو الذي مال إليه الشيخ الأعظم قدس‌سره (٣).

والسرّ في الخلاف يعود إلى أنّ الأركان في الاستصحاب هل هي متوفّرة هنا ، أو غير متوفّرة؟ والمشكوك توفّره في المقام هو الركن الخامس ، وهو اتّحاد متعلّق اليقين والشكّ.

ولا شكّ في أنّ الكلّيّ المتيقّن نفسه هو المشكوك بقاؤه في هذا القسم ، فهو واحد نوعا ، فينبغي أن يسأل :

أوّلا : هل هذه الوحدة النوعيّة بين المتيقّن والمشكوك كافية في تحقّق الوحدة المعتبرة في الاستصحاب ، أو غير كافية ، بل لا بدّ له من وحدة خارجيّة؟

ثانيا : بعد فرض عدم كفاية الوحدة النوعيّة ، هل أنّ الكلّيّ الطبيعيّ له وحدة خارجيّة بوجود أفراده ـ بمعنى أنّه يكون بوحدته الخارجيّة معروضا لتعيّنات أفراده المتباينة ؛ بناء

__________________

(١) وهذا يظهر من المحقّق الحائريّ في درر الفوائد ٢ : ١٧٥ ، والمحقّق الإيروانيّ في نهاية النهاية ٢ : ١٩٤ ـ ١٩٥.

(٢) ذهب إليه المحقّق الخراساني في الكفاية : ٤٦٢.

(٣) فرائد الأصول ٢ : ٦٤٠.

على ما قيل من أنّ نسبة الكلّيّ إلى أفراده من باب نسبة الأب الواحد إلى الأبناء الكثيرة ، كما نقل ذلك ابن سينا عن بعض من عاصره (١) ـ ، أو أنّ الكلّيّ الطبيعيّ لا وجود له إلاّ بوجود أفراده بالعرض ، ففي كلّ فرد حصّة موجودة منه غير الحصّة الموجودة في فرد آخر ، فلا تكون له وحدة خارجيّة بوجود أفراده المتعدّدة ، بل نسبته إلى أفراده من قبيل نسبة الآباء المتعدّدة إلى الأبناء المتعدّدة ، وهذا هو المعروف عند المحقّقين (٢)؟

فالقائل بجريان الاستصحاب في هذا القسم ، إمّا أن يلتزم بكفاية الوحدة النوعيّة في تحقّق ركن الاستصحاب ، وإمّا أن يلتزم بأنّ الكلّيّ له وحدة خارجيّة بوجود أفراده المتعدّدة ، وإلاّ فلا يجري الاستصحاب.

وإذا اتّضح هذا التحليل الدقيق لمنشا الأقوال في المسألة يتّضح الحقّ فيها ، وهو القول الثاني ، وهو عدم جريان الاستصحاب مطلقا.

أمّا أوّلا : فلأنّه من الواضح عدم كفاية الوحدة النوعيّة في الاستصحاب ؛ لأنّ معنى بقاء المستصحب فيه هو استمراره خارجا بعد اليقين به. ونحن لا نعني من استصحاب الكلّيّ استصحاب نفس الماهيّة من حيث هي ؛ فإنّ هذا لا معنى له ، (٣) بل المراد استصحابها بما لها من الوجود الخارجيّ لغرض ترتيب أحكامها الفعليّة.

وأمّا ثانيا : فلأنّه من الواضح أيضا أنّ الحقّ أنّ نسبة الكلّيّ إلى أفراده من قبيل نسبة الآباء إلى الأبناء ؛ لأنّه من الضروريّ أنّ الكلّيّ لا وجود له إلاّ بالعرض بوجود أفراده.

وفي مقامنا قد وجدت حصّة من الكلّيّ ، وقد ارتفعت هذه الحصّة يقينا ، والحصّة الأخرى منه في الفرد الثاني هي من أوّل الأمر مشكوكة الحدوث ، فلم يتّحد المتيقّن والمشكوك.

وبهذا يفترق القسم الثالث عن القسم الثاني من استصحاب الكلّيّ ؛ لأنّه في القسم الثاني ـ كما سبق ـ ذات الحصّة من الكلّيّ المتعيّنة واقعا ، المعلومة الحدوث على الإجمال هي نفسها مشكوكة البقاء ، حيث لا يدرى أنّها الحصّة المضافة إلى الفرد الطويل ، أو الفرد القصير.

__________________

(١) وهو الرجل الهمدانيّ على ما في شرح المنظومة : ٩٩.

(٢) الأسفار ٢ : ٨ ، وشرح المنظومة : ٩٩.

(٣) فإنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي ، ولا يترتّب عليها حكم من الأحكام.