درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۰۹: اصول عملیه ۲۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

على ما قيل من أنّ نسبة الكلّيّ إلى أفراده من باب نسبة الأب الواحد إلى الأبناء الكثيرة ، كما نقل ذلك ابن سينا عن بعض من عاصره (١) ـ ، أو أنّ الكلّيّ الطبيعيّ لا وجود له إلاّ بوجود أفراده بالعرض ، ففي كلّ فرد حصّة موجودة منه غير الحصّة الموجودة في فرد آخر ، فلا تكون له وحدة خارجيّة بوجود أفراده المتعدّدة ، بل نسبته إلى أفراده من قبيل نسبة الآباء المتعدّدة إلى الأبناء المتعدّدة ، وهذا هو المعروف عند المحقّقين (٢)؟

فالقائل بجريان الاستصحاب في هذا القسم ، إمّا أن يلتزم بكفاية الوحدة النوعيّة في تحقّق ركن الاستصحاب ، وإمّا أن يلتزم بأنّ الكلّيّ له وحدة خارجيّة بوجود أفراده المتعدّدة ، وإلاّ فلا يجري الاستصحاب.

وإذا اتّضح هذا التحليل الدقيق لمنشا الأقوال في المسألة يتّضح الحقّ فيها ، وهو القول الثاني ، وهو عدم جريان الاستصحاب مطلقا.

أمّا أوّلا : فلأنّه من الواضح عدم كفاية الوحدة النوعيّة في الاستصحاب ؛ لأنّ معنى بقاء المستصحب فيه هو استمراره خارجا بعد اليقين به. ونحن لا نعني من استصحاب الكلّيّ استصحاب نفس الماهيّة من حيث هي ؛ فإنّ هذا لا معنى له ، (٣) بل المراد استصحابها بما لها من الوجود الخارجيّ لغرض ترتيب أحكامها الفعليّة.

وأمّا ثانيا : فلأنّه من الواضح أيضا أنّ الحقّ أنّ نسبة الكلّيّ إلى أفراده من قبيل نسبة الآباء إلى الأبناء ؛ لأنّه من الضروريّ أنّ الكلّيّ لا وجود له إلاّ بالعرض بوجود أفراده.

وفي مقامنا قد وجدت حصّة من الكلّيّ ، وقد ارتفعت هذه الحصّة يقينا ، والحصّة الأخرى منه في الفرد الثاني هي من أوّل الأمر مشكوكة الحدوث ، فلم يتّحد المتيقّن والمشكوك.

وبهذا يفترق القسم الثالث عن القسم الثاني من استصحاب الكلّيّ ؛ لأنّه في القسم الثاني ـ كما سبق ـ ذات الحصّة من الكلّيّ المتعيّنة واقعا ، المعلومة الحدوث على الإجمال هي نفسها مشكوكة البقاء ، حيث لا يدرى أنّها الحصّة المضافة إلى الفرد الطويل ، أو الفرد القصير.

__________________

(١) وهو الرجل الهمدانيّ على ما في شرح المنظومة : ٩٩.

(٢) الأسفار ٢ : ٨ ، وشرح المنظومة : ٩٩.

(٣) فإنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلاّ هي ، ولا يترتّب عليها حكم من الأحكام.

وبهذا أيضا يتّضح أنّه لا وجه للتفصيل المتقدّم الذي مال إليه الشيخ الأعظم قدس‌سره ؛ فإنّ احتمال وجود الفرد الثاني في ظرف وجود الفرد الأوّل لا يقدّم ، ولا يؤخّر ، ولا يضمن الوحدة الخارجيّة للمتيقّن والمشكوك ، إلاّ إذا قلنا بمقالة من يذهب إلى أنّ نسبة الكلّيّ إلى أفراده من قبيل نسبة الأب الواحد إلى أبنائه ، وحاشا الشيخ قدس‌سره أن يرى هذا الرأي. ولا شكّ أنّ الحصّة الموجودة في ضمن الفرد الثاني من أوّل الأمر مشكوكة الحدوث. وأمّا : المتيقّن حدوثه فهو حصّة أخرى ، وهي في عين الحال متيقّنة الارتفاع. ويكون وزان هذا القسم وزان استصحاب الفرد المردّد الآتي ذكره.

تنبيه : وقد استثني من هذا القسم الثالث ما يتسامح به العرف ، فيعدّون الفرد اللاحق المشكوك الحدوث مع الفرد السابق كالمستمرّ الواحد ، مثل ما لو علم السواد الشديد في محلّ وشكّ في ارتفاعه أصلا ، أو تبدّله بسواد أضعف ، فإنّه في مثله حكم الجميع بجريان الاستصحاب. ومن هذا الباب ما لو كان شخص كثير الشكّ ثمّ شكّ في زوال صفة كثرة الشكّ عنه أصلا ، أو تبدّلها إلى مرتبة من الشكّ دون الأولى.

قال الشيخ الأعظم قدس‌سره في تعليل جريان الاستصحاب في هذا الباب : «فالعبرة في جريان الاستصحاب عدّ الموجود السابق مستمرّا إلى اللاحق ولو كان الأمر اللاحق على تقدير وجوده مغايرا بحسب الدقّة للفرد السابق» (١). يعني : أنّ العبرة في اتّحاد المتيقّن ، والمشكوك هو الاتّحاد عرفا ، وبحسب النظر المسامحيّ ، وإن كانا بحسب الدقّة العقليّة متغايرين ، كما في المقام.

التنبيه الثاني : الشبهة العبائيّة أو استصحاب الفرد المردّد

ينقل أنّ السيّد الجليل السيّد إسماعيل الصدر قدس‌سره زار النجف الأشرف أيّام الشيخ المحقّق الآخوند قدس‌سره ، فأثار في أوساطها العلميّة مسألة تناقلوها ، وصارت عندهم موضعا للردّ والبدل ، واشتهرت بالشبهة العبائيّة (٢).

__________________

(١) فرائد الأصول ٢ : ٥٤١.

(٢) هذا ما نقله المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٤ «القسم الأوّل» : ١٣٠ ، والسيّد الحكيم في حقائق الأصول ٢ : ٤٥٨.

وحاصلها أنّه لو وقعت نجاسة على أحد طرفي عباءة ، ولم يعلم أنّه الطرف الأعلى ، أو الأسفل ، ثمّ طهّر أحد الطرفين ـ وليكن الأسفل مثلا ـ ، فإنّ تلك النجاسة المعلومة الحدوث تصبح نفسها مشكوكة الارتفاع ، فينبغي أن يجري استصحابها ، بينما أنّ مقتضى جريان استصحاب النجاسة في هذه العباءة أن يحكم بنجاسة البدن ـ مثلا ـ الملاقي لطرفي العباءة معا. مع أنّ هذا اللازم باطل قطعا بالضرورة ؛ لأنّ ملاقي أحد طرفي الشبهة المحصورة محكوم عليه بالطهارة بالإجماع ـ كما تقدّم في محلّه ـ. وهنا لم يلاق البدن إلاّ أحد طرفي الشبهة وهو الطرف الأعلى.

وأمّا : الطرف الأسفل ـ وإن لاقاه ـ فإنّه قد خرج عن طرف الشبهة ـ حسب الفرض ـ بتطهيره يقينا ، فلا معنى للحكم بنجاسة ملاقيه.

والنكتة في الشبهة أنّ هذا الاستصحاب يبدو من باب استصحاب الكلّيّ من القسم الثاني ، ولا شكّ في أنّ مستصحب النجاسة لا بدّ أن يحكم بنجاسة ملاقيه ، بينما أنّه هنا لا يحكم بنجاسة الملاقي ، فيكشف ذلك عن عدم صحّة استصحاب الكلّيّ من القسم الثاني.

وقد استقرّ الجواب عند المحقّقين (١) عن هذه الشبهة على أنّ هذا الاستصحاب ليس من باب استصحاب الكلّيّ ، بل هو من نوع آخر سمّوه «استصحاب الفرد المردّد». وقد اتّفقوا على عدم صحّة جريانه ، عدا ما نقل عن بعض الأجلّة (٢) في حاشيته على كتاب البيع للشيخ الأعظم قدس‌سره ؛ إذ قال بما محصّله : «أنّ تردّده بحسب علمنا لا يضرّ بيقين وجوده سابقا ، والمفروض أنّ أثر القدر المشترك أثر لكلّ من الفردين ، فيمكن ترتيب ذلك الأثر باستصحاب الشخص الواقعيّ المعلوم سابقا ، كما في القسم الأوّل الذي حكم الشيخ قدس‌سره فيه باستصحاب كلّ من الكلّيّ وفرده (٣)».

أقول : ويجب أن يعلم ـ قبل كلّ شيء ـ الضابط لكون المورد من باب استصحاب الكلّيّ [من] القسم الثاني ، أو من باب استصحاب الفرد المردّد ، فإنّ عدم التفرقة بين

__________________

(١) ومنهم : المحقّق النائيني في فوائد الأصول ٤ : ٤٢١ ـ ٤٢٢.

(٢) وهو المحقّق السيّد محمد كاظم الطباطبائيّ اليزديّ.

(٣) حاشية المكاسب (لليزدي) : ٧٣.

الموردين هو الموجب للاشتباه ، وتحكّم تلك الشبهة. إذن ما الضابط لهما؟

إنّ الضابط في ذلك أنّ الأثر المراد ترتّبه ، إمّا أن يكون أثرا للكلّيّ ، أي أثرا لذات الحصّة من الكلّيّ ، لا بما لها من التعيّن الخاصّ والخصوصيّة المفرّدة ، أو أثرا للفرد ، أي أثرا للحصّة بما لها من التعيّن الخاصّ والخصوصيّة المفرّدة.

فإن كان الأوّل فيكفي فيه استصحاب القدر المشترك ، أي ذات الحصّة الموجودة ، إمّا في ضمن الفرد المقطوع الارتفاع على تقدير أنّه هو الحادث ، أو الفرد المقطوع البقاء على تقدير أنّه هو الحادث ، ويكون ذلك من باب استصحاب الكلّيّ [من] القسم الثاني ، وقد تقدّم أنّنا لا نعني من استصحاب الكلّي نفس الماهيّة الكلّيّة ، بل استصحاب وجودها.

وإن كان الثاني فلا يكفي استصحاب القدر المشترك ، وإنّما الذي ينفع استصحاب الفرد بما له من الخصوصيّة المفرّدة ، المفروض فيه أنّه مردّد بين الفرد المقطوع الارتفاع على تقدير أنّه الحادث ، أو الفرد المقطوع البقاء على تقدير أنّه الحادث ، ويكون ذلك من باب استصحاب الفرد المردّد.

إذا عرفت هذا الضابط فالمثال الذي وقعت فيه الشبهة هو من النوع الثاني ؛ لأنّ الموضوع للنجاسة المستصحبة ليس أصل العباءة ، أو الطرف الكلّيّ منها ، بل نجاسة الطرف الخاصّ بما هو طرف خاصّ ، إمّا الأعلى أو الأسفل.

وبعد هذا يبقى أن نتساءل : لما ذا لا يصحّ جريان استصحاب الفرد المردّد؟ نقول : لقد اختلفت تعبيرات الأساتذة في وجهه ، فقد قيل : «لأنّه لا يتوفّر فيه الركن الثاني ، وهو الشكّ في البقاء» (١) ، وقيل : «بل لا يتوفّر الركن الأوّل ، وهو اليقين بالحدوث ، فضلا عن الركن الثاني». (٢)

أمّا : الوجه الأوّل فبيانه أنّ الفرد بما له من الخصوصيّة مردّد ـ حسب الفرض ـ بين ما هو مقطوع البقاء ، وبين ما هو مقطوع الارتفاع ، فلا شكّ في بقاء الفرد الواقعيّ الذي كان معلوم الحدوث ؛ لأنّه إمّا مقطوع البقاء ، أو مقطوع الارتفاع.

__________________

(١) هذا ما قال به المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٤ : ١٢٦ ـ ١٢٧.

(٢) وهذا ما اختاره أستاذه المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٣ : ١٦٤ ـ ١٦٦.