درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۱۰: اصول عملیه ۲۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الموردين هو الموجب للاشتباه ، وتحكّم تلك الشبهة. إذن ما الضابط لهما؟

إنّ الضابط في ذلك أنّ الأثر المراد ترتّبه ، إمّا أن يكون أثرا للكلّيّ ، أي أثرا لذات الحصّة من الكلّيّ ، لا بما لها من التعيّن الخاصّ والخصوصيّة المفرّدة ، أو أثرا للفرد ، أي أثرا للحصّة بما لها من التعيّن الخاصّ والخصوصيّة المفرّدة.

فإن كان الأوّل فيكفي فيه استصحاب القدر المشترك ، أي ذات الحصّة الموجودة ، إمّا في ضمن الفرد المقطوع الارتفاع على تقدير أنّه هو الحادث ، أو الفرد المقطوع البقاء على تقدير أنّه هو الحادث ، ويكون ذلك من باب استصحاب الكلّيّ [من] القسم الثاني ، وقد تقدّم أنّنا لا نعني من استصحاب الكلّي نفس الماهيّة الكلّيّة ، بل استصحاب وجودها.

وإن كان الثاني فلا يكفي استصحاب القدر المشترك ، وإنّما الذي ينفع استصحاب الفرد بما له من الخصوصيّة المفرّدة ، المفروض فيه أنّه مردّد بين الفرد المقطوع الارتفاع على تقدير أنّه الحادث ، أو الفرد المقطوع البقاء على تقدير أنّه الحادث ، ويكون ذلك من باب استصحاب الفرد المردّد.

إذا عرفت هذا الضابط فالمثال الذي وقعت فيه الشبهة هو من النوع الثاني ؛ لأنّ الموضوع للنجاسة المستصحبة ليس أصل العباءة ، أو الطرف الكلّيّ منها ، بل نجاسة الطرف الخاصّ بما هو طرف خاصّ ، إمّا الأعلى أو الأسفل.

وبعد هذا يبقى أن نتساءل : لما ذا لا يصحّ جريان استصحاب الفرد المردّد؟ نقول : لقد اختلفت تعبيرات الأساتذة في وجهه ، فقد قيل : «لأنّه لا يتوفّر فيه الركن الثاني ، وهو الشكّ في البقاء» (١) ، وقيل : «بل لا يتوفّر الركن الأوّل ، وهو اليقين بالحدوث ، فضلا عن الركن الثاني». (٢)

أمّا : الوجه الأوّل فبيانه أنّ الفرد بما له من الخصوصيّة مردّد ـ حسب الفرض ـ بين ما هو مقطوع البقاء ، وبين ما هو مقطوع الارتفاع ، فلا شكّ في بقاء الفرد الواقعيّ الذي كان معلوم الحدوث ؛ لأنّه إمّا مقطوع البقاء ، أو مقطوع الارتفاع.

__________________

(١) هذا ما قال به المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٤ : ١٢٦ ـ ١٢٧.

(٢) وهذا ما اختاره أستاذه المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٣ : ١٦٤ ـ ١٦٦.

وأمّا : الوجه الثاني ـ وهو الأصحّ ـ فبيانه أنّ اليقين بالحدوث إن أريد به اليقين بحدوث الفرد مع قطع النظر عن الخصوصيّة المفرّدة ـ لأنّها مجهولة حسب الفرض ـ فاليقين موجود ، ولكنّ المتيقّن حينئذ هو الكلّيّ الذي يصلح للانطباق على كلّ من الفردين ، وإن أريد به اليقين بحدوث الفرد بما له من الخصوصيّة المفرّدة فواضح أنّه غير حاصل فعلا ؛ لأنّ المفروض أنّ الخصوصيّة المفرّدة مجهولة ، ومردّدة بين خصوصيّتين ، فكيف تكون متيقّنة في عين الحال؟! إذ المردّد بما هو مردّد لا معنى لأن يكون معلوما متعيّنا ، هذا خلف محال ، وإنّما المعلوم هو القدر المشترك. وفي الحقيقة أنّ كلّ علم إجماليّ مؤلّف من علم وجهل ، ومتعلّق العلم هو القدر المشترك ، ومتعلّق الجهل خصوصيّاته ، وإلاّ فلا معنى للإجمال في العلم ، وهو عين اليقين والانكشاف. وإنّما سمّي بـ «العلم الإجماليّ» ؛ لانضمام الجهل بالخصوصيّات إلى العلم بالجامع.

وعليه ، فإنّ ما هو متيقّن ـ وهو الكلّي ـ لا فائدة في استصحابه لغرض ترتّب أثر الفرد بخصوصه ، وما له الأثر المراد ترتّبه عليه ـ وهو الفرد. بخصوصيّته ـ غير متيقّن ، بل هو مجهول مردّد بين خصوصيّتين ، فلا يتحقّق في استصحاب الفرد المردّد ركن اليقين بالحالة السابقة ، لا أنّ الفرد المردّد متيقّن ، ولكن لا شكّ في بقائه.

والوجه الأصحّ هو الثاني ، كما ذكرنا. وأمّا : الوجه الأوّل ـ وهو أنّه لا شكّ في بقاء المتيقّن ـ فغريب صدوره عن بعض أهل التحقيق ، (١) فإنّ كونه مردّدا بين ما هو مقطوع البقاء وبين ما هو مقطوع الارتفاع معناه في الحقيقة هو الشكّ فعلا في بقاء الفرد الواقعيّ وارتفاعه ؛ لأنّ المفروض أنّ القطع بالبقاء والقطع بالارتفاع ليسا قطعين فعليّين ، بل كلّ منهما قطع على تقدير مشكوك ، والقطع على تقدير مشكوك ليس قطعا فعلا ، بل هو عين الشكّ.

وعلى كلّ حال ، فلا معنى لاستصحاب الفرد المردّد ، ولا معنى لأن يقال ـ كما سبق عن بعض الأجلّة قدس‌سرهم ـ (٢) : «إنّ تردّده بحسب علمنا لا يضرّ بيقين وجوده سابقا» ؛ فإنّه كيف يكون تردّده بحسب علمنا لا يضرّ باليقين؟! وهل اليقين إلاّ العلم؟ إلاّ إذا أراد من اليقين

__________________

(١) وهو المحقّق النائينيّ ، كما مرّ.

(٢) وهو المحقّق السيّد الطباطبائي اليزديّ ، كما مرّ.

ـ بوجوده سابقا ـ اليقين بالقدر المشترك ، والتردّد في الفرد ، فاليقين متعلّق بشيء ، والتردّد بشيء آخر ، فيتوفّر ركنا الاستصحاب بالنسبة إلى القدر المشترك ، لا بالنسبة إلى الفرد المراد استصحابه ، فما هو متيقّن لا يراد استصحابه ، وما يراد استصحابه غير متيقّن ، على ما سبق بيانه.

تمرينات (٦٩)

١. ما هي أقسام استصحاب الكلّي؟ ايت لكلّ قسم مثلا.

٢. هل يجري الاستصحاب في القسم الأوّل؟

٣. هل يجري الاستصحاب في القسم الثاني؟

٤. اذكر الوجهين المذكورين في عدم جريان الاستصحاب في القسم الثاني. واذكر الجواب عنهما.

٥. ما هي الأقوال في جريان الاستصحاب في القسم الثالث؟ وما هو منشأ الأقوال؟

٦. اذكر القول الراجح عند المصنّف في القسم الثالث.

٧. ما هي الشبهة العبائيّة؟

٨. ما الجواب عن الشبهة العبائيّة؟

٩. لما ذا لا يصحّ جريان استصحاب الفرد المردّد؟