درس الروضة البهیة (فقه ۱) (الطهارة - الخمس)

جلسه ۴۸: احکام الاموات (۱۱)

 

والأولى قراءة «يُصلّي» في الفعلين مبنيّاً للمعلوم ، أي يُصلّي مَن أراد الصلاة على الميّت إذا لم يكن هذا المريد قد صلّى عليه ولو بعد الدفن المدة المذكورة أو دائماً ، سواء كان قد صُلّي على الميّت أم لا. هذا هو الذي اختاره المصنّف في المسألة (١).

ويمكن قراءته مبنيّاً للمجهول ، فيكون الحكم مختصّاً بميّتٍ لم يُصلَّ عليه ، أمّا من صُلّي عليه فلا تُشرَع الصلاة عليه بعد دفنه. وهو قولٌ لبعض الأصحاب (٢) جمعاً بين الأخبار (٣) ومختار المصنّف أقوى.

﴿ ولو حضرت جنازةٌ في الأثناء ﴾ أي في أثناء الصلاة على جنازةٍ اُخرى ﴿ أتمّها ثم استأنف ﴾ الصلاة ﴿ عليها ﴾ أي على الثانية ، وهو الأفضل مع عدم الخوف على الثانية. وربّما قيل : بتعيّنه إذا كانت الثانية مندوبةً؛ لاختلاف الوجه (٤). وليس بالوجه.

وذهب العلّامة (٥) وجماعةٌ من المتقدّمين (٦) والمتأخّرين (٧) إلى أنّه يتخيّر بين قطع الصلاة على الاُولى واستئنافها عليهما ، وبين إكمال الاُولى وإفراد الثانية

____________________

(١) البيان : ٧٧ ، والذكرى ١ : ٤٠٧ ، والدروس ١ : ١١٢.

(٢) وهو العلّامة في المختلف ٢ : ٣٠٥ ـ ٣٠٦.

(٣) الأخبار المانعة والمجوّزة ، راجع الوسائل ٢ : ٧٩٤ ، الباب ١٨ من أبواب صلاة الجنازة.

(٤) قاله العلّامة في نهاية الإحكام ٢ : ٢٧١ ، والتذكرة ٢ : ٨٦.

(٥) في كتبه كالتذكرة ٢ : ٨٦ ، ونهاية الإحكام ٢ : ٢٧١ ، والقواعد ١ : ٢٣٢.

(٦) كالصدوق في الفقيه ١ : ١٦٤ ، ذيل الحديث ٤٧٠ ، والشيخ في النهاية : ١٤٦ ، والحلّي في السرائر ١ : ٣٦١.

(٧) كالمحقّق في الشرائع ١ : ١٠٧ ، والمعتبر ٢ : ٣٦٠.

بصلاةٍ ثانية ، محتجّين برواية عليّ بن جعفر عن أخيه عليه‌السلام : «في قوم كبّروا على جنازةٍ تكبيرةً أو تكبيرتين ووضعت معها اُخرى ، قال عليه‌السلام : إن شاؤوا تركوا الاُولى حتّى يفرغوا من التكبيرة الأخيرة ، وإن شاؤوا رفعوا الاُولى وأتمّوا التكبير على الأخيرة ، كلّ ذلك لا بأس به» (١).

قال المصنّف في الذكرى : والرواية قاصرةٌ عن إفادة المدّعى؛ إذ ظاهرها أنّ ما بقي من تكبير الاُولى محسوبٌ للجنازتين ، فإذا فرغوا من تكبير الاُولى تخيّروا بين تركها بحالها حتى يُكملوا التكبير على الأخيرة ، وبين رفعها من مكانها والإتمام على الأخيرة ، وليس في هذا دلالةٌ على إبطال الصلاة على الاُولى بوجه ، هذا مع تحريم قطع الصلاة الواجبة. نعم ، لو خيف على الجنائز قُطعت الصلاة ثمّ استأنف عليها؛ لأنّه قطعٌ لضرورة (٢) وإلى ما ذكره أشار هنا بقوله :

﴿ والحديث ﴾ الذي رواه عليّ بن جعفر عليه‌السلام ﴿ يدلّ على احتساب ما بقي من التكبير * لهما ثمّ يأتي بالباقي للثانية ، وقد حقّقناه في الذكرى ﴾ بما حكيناه عنها.

ثمّ استشكل بعد ذلك الحديث : بعدم تناول النيّة أوّلاً للثانية فكيف يُصرف باقي التكبيرات إليها ، مع توقّف العمل على النيّة؟ وأجاب : بإمكان حمله على إحداث نيّةٍ من الآن لتشريك باقي التكبير على الجنازتين (٣).

وهذا الجواب لا معْدل عنه ، وإن لم يصرّح بالنيّة في الرواية؛ لأنّها أمرٌ قلبيٌّ

____________________

(١) الوسائل ٢ : ٨١١ ، الباب ٣٤ ، من أبواب صلاة الجنازة ، الحديث الأوّل ، مع اختلاف يسير.

(٢) و (٣) الذكرى ١ : ٤٦٣.

(*) في (ق) : التكبيرات.

يكفي فيها مجرّد القصد إلى الصلاة على الثانية إلى آخر ما يُعتبر فيها. وقد حقّق المصنّف في مواضع : أنّ الصدر الأوّل ما كانوا يتعرّضون للنيّة (١) لذلك ، وإنّما أحدث البحث عنها المتأخّرون ، فيندفع الإشكال.

وقد ظهر من ذلك أن لا دليل على جواز القطع ، وبدونه يتّجه تحريمه.

وما ذكره المصنّف : من جواز القطع على تقدير الخوف على الجنائز ، غير واضح؛ لأنّ الخوف إن كان على الجميع أو على الاُولى فالقطع يزيد الضرر على الاُولى ولا يزيله؛ لانهدام ما قد مضى من صلاتها الموجب لزيادة مكثها ، وإن كان الخوف على الأخيرة فلا بدّ لها من المكث مقدار الصلاة عليها ، وهو يحصل مع التشريك الآن والاستئناف. نعم ، يمكن فرضه نادراً بالخوف على الثانية ، بالنظر إلى تعدّد الدعاء مع اختلافهما فيه ، بحيث يزيد ما يتكرّر منه على ما مضى من الصلاة.

وحيث يختار التشريك بينهما فيما بقي ينوي بقلبه على الثانية ، ويكبّر تكبيراً مشتركاً بينهما ـ كما لو حضرتا ابتداءً ـ ويدعو لكلّ واحدةٍ بوظيفتها من الدعاء مخيّراً في التقديم إلى أن يُكمل الاُولى ، ثمّ يُكمل ما بقي من الثانية.

ومثله ما لو اقتصر على صلاةٍ واحدةٍ على متعدّد ، فإنّه يُشرِّك بينهم فيما يتّحد لفظه ويُراعي في المختلف ـ كالدعاء لو كان فيهم مؤمن ومجهول ومنافق وطفل ـ وظيفة كلّ واحد ، ومع اتّحاد الصنف يُراعي تثنية الضمير وجمعه وتذكيره وتأنيثه ، أو يذكّر مطلقاً مؤوّلاً ب‍ «الميّت» أو يؤنّث مؤوّلاً ب‍ «الجنازة» والأوّل أولى.

____________________

(١) اُنظر الذكرى ٢ : ١٠٤ ـ ١٠٥.