درس الروضة البهیة (فقه ۱) (الطهارة - الخمس)

جلسه ۱۱۱: نماز جمعه (۲)

 

الأكثر ومنهم المصنّف في البيان (١) فإنّهم يكتفون بإمكان الاجتماع مع باقي الشرائط.

وربّما عبّروا عن حكمها حال الغيبة بالجواز تارةً (٢) وبالاستحباب اُخرى (٣) نظراً إلى إجماعهم على عدم وجوبها حينئذٍ عيناً ، وإنّما تجب على تقديره تخييراً بينها وبين الظهر ، لكنّها عندهم أفضل من الظهر ، وهو معنى الاستحباب ، بمعنى أنّها واجبةٌ تخييراً مستحبّةٌ عيناً ، كما في جميع أفراد الواجب المخيَّر إذا كان بعضها راجحاً على الباقي ، وعلى هذا ينوي بها الوجوب وتُجزئ عن الظهر.

وكثيراً ما يحصل الالتباس في كلامهم بسبب ذلك حيث يشترطون الإمامَ أو نائبَه في الوجوب إجماعاً ، ثمّ يذكرون حال الغيبة ويختلفون في حكمها فيها ، فيوهم أنّ الإجماع المذكور يقتضي عدمَ جوازها حينئذٍ بدون الفقيه ، والحال أنّها في حال الغيبة لا تجب عندهم عيناً ، وذلك شرط الواجب العيني خاصّةً.

ومن هنا ذهب جماعةٌ من الأصحاب إلى عدم جوازها حال الغيبة (٤) لفقد الشرط المذكور.

ويُضعَّف بمنع عدم حصول الشرط أوّلاً؛ لإمكانه بحضور الفقيه ، ومنع اشتراطه ثانياً؛ لعدم الدليل عليه من جهة النصّ فيما علمناه.

____________________

(١) البيان : ١٨٨.

(٢) مثل الشيخ في النهاية : ٣٠٢ ، وفخر المحقّقين في الإيضاح ١ : ١١٩.

(٣) مثل العلّامة في المختلف ٢ : ٢٢٠ ـ ٢٢١ ، والشهيد في غاية المراد ١ : ١٦٤ ، ونسباه إلى المشهور.

(٤) منهم السيّد المرتضى في مسائل الميّافارقيّات (رسائل الشريف المرتضى) ١ : ٢٧٢ ، وسلّار في المراسم : ٢٦٤ ، وابن إدريس في السرائر ١ : ٣٠٣ ـ ٣٠٤ ، والفاضل الآبي في كشف الرموز ١ : ١٧٧.

وما يظهر من جعل مستنده الإجماع فإنّما هو على تقدير الحضور ، أمّا في حال الغيبة فهو محلّ النزاع فلا يُجعل دليلاً فيه ، مع إطلاق القرآن الكريم (١) بالحثّ العظيم المؤكَّد بوجوهٍ كثيرة ، مضافاً إلى النصوص المتضافرة على وجوبها بغير الشرط المذكور ، بل في بعضها ما يدلّ على عدمه (٢) نعم ، يعتبر اجتماع باقي الشرائط ، ومنه الصلاة على الأئمة ولو إجمالاً ، ولا ينافيه ذكرُ غيرهم.

ولولا دعواهم الإجماع على عدم الوجوب العيني (٣) لكان القول به في غاية القوّة ، فلا أقلّ من التخييري مع رجحان الجمعة.

وتعبير المصنّف وغيره ب‍ «إمكان الاجتماع» يريد به الاجتماع على إمام عدل؛ لأنّ ذلك لم يتّفق في زمن ظهور الأئمة غالباً ، وهو السرُّ في عدم اجتزائهم بها عن الظهر مع ما نُقل من تمام محافظتهم عليها (٤) ومن ذلك سرى الوهم (٥).

____________________

(١) الجمعة : ٩.

(٢) هو صحيحة عمر بن يزيد عن الصادق عليه‌السلام قال : «يجمّع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد ، والجمعة واجبة على كلّ أحد ، لا يعذر الناس فيها إلّا خمسة : المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبيّ» وفي معناها أخبار كثيرة (منه رحمه‌الله). لكنّ الراوي في هذه الصحيحة عن الصادق عليه‌السلام هو منصور بن حازم ، راجع التهذيب ٣ : ٢٣٩ ، الحديث ٦٣٦ ، والوسائل ٥ : ٨ ، الباب ٢ من أبواب صلاة الجمعة ، الحديث ٧ و ٥ ، الباب الأوّل من الأبواب ، الحديث ١٦.

(٣) ادّعاه العلّامة في التحرير ١ : ٢٧٢ ومّمن ادّعاه صريحاً ـ ونسبه إلى علمائنا الإماميّة رضوان اللّٰه عليهم طبقةً بعد طبقة من عصر أئمّتنا عليهم‌السلام إلى عصرنا هذا ـ المحقّق الكركي في رسالة صلاة الجمعة ، رسائل المحقّق الكركي ١ : ١٤٧.

(٤) أي بالحثّ والتحريض ، راجع الوسائل ٥ : ٥ ، الباب الأوّل من أبواب صلاة الجمعة ، الحديث ١٧ ـ ٢٨.

(٥) إلى عدم وجوبها زمن الغيبة. المناهج السويّة : ١٩٤.

﴿ واجتماع خمسةٍ ﴾ فصاعداً أحدهم الإمام في الأصحّ (١) وهذا يشمل شرطين :

أحدهما : العدد وهو الخمسة في أصحّ القولين لصحّة مستنده (٢) وقيل : سبعة (٣) ويشترط كونهم ذكوراً أحراراً مكلَّفين مقيمين ، سالمين من المرضِ والبُعدِ المُسقِطَين. وسيأتي ما يدلّ عليه.

وثانيهما : الجماعة بأن يأتمّوا بإمام منهم ، فلا تصحّ فرادى.

وإنّما يُشترطان في الابتداء لا في الاستدامة ، فلو انفضّ العددُ بعدَ تحرّم (٤) الإمام أتمّ الباقون ولو فُرادى مع عدم حضور من ينعقد به الجماعة ، وقبلَه تسقط. ومع العود في أثناء الخطبة يُعاد ما فات من أركانها.

﴿ وتسقط ﴾ الجمعةُ ﴿ عن المرأةِ ﴾ والخنثى ، للشكّ في ذكوريّته الذي هو (٥) شرط الوجوب.

﴿ والعبدِ ﴾ وإن كان مبعَّضاً واتّفقت في نوبته ، مهاياً (٦) أم مدبَّراً أم مكاتَباً

____________________

(١) متعلّق بالمتن ، لا بقوله : أحدهم الإمام. المناهج السويّة : ١٩٤.

(٢) وهو رواية منصور عن الصادق عليه‌السلام ، الوسائل ٥ : ٨ ، الباب ٢ من أبواب صلاة الجمعة ، الحديث ٧.

(٣) قاله الشيخ في النهاية : ١٠٣ والمبسوط ١ : ١٤٣ ، والقاضي في المهذّب ١ : ١٠٠ ، وابن حمزة في الوسيلة : ١٠٣.

(٤) في (ف) و (ر) : تحريم.

(٥) في (ر) : التي هي.

(٦) المهاياة في كسب العبد أن يقسمان الزمان بحسب ما يتّفقان عليه ، ويكون كسبه في كلّ وقتٍ لمن ظهر له بالقسمة ، مجمع البحرين ١ : ٤٨٥ (هيا).