درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۲۹: ادله حجیت استصحاب ۳

 

المقام والتعليل وقوله : «أبدا» ـ هو (١) إرادة عموم النفي ، لا نفي العموم.

وقد أورد على الاستدلال بالصحيحة بما لا يخفى جوابه على الفطن (٢).

والمهمّ في هذا الاستدلال إثبات إرادة الجنس من اليقين.

٢ ـ صحيحة زرارة الثانية

ومنها : صحيحة اخرى لزرارة ـ مضمرة أيضا ـ : «قال : قلت له (٣) : أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من المني ، فعلّمت أثره إلى أن اصيب له الماء ، فأصبت ، فحضرت الصلاة ، ونسيت أنّ بثوبي شيئا وصلّيت ، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك؟

قال عليه‌السلام : تعيد الصلاة وتغسله.

قلت : فإن لم أكن رأيت موضعه ، وعلمت أنّه قد أصابه ، فطلبته ولم أقدر عليه ، فلمّا صلّيت وجدته؟

قال عليه‌السلام : تغسله وتعيد.

قلت : فإن ظننت أنّه أصابه ولم أتيقّن ذلك ، فنظرت فلم أر شيئا فصلّيت ، فرأيت فيه؟

قال : تغسله ولا تعيد الصلاة.

قلت : لم ذلك؟

قال : لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت ، وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا.

__________________

(١) في (ت) و (ه) بدل «هو» : «في».

(٢) وقد أشار إلى جملة منها مع أجوبتها الفاضل الدربندي في خزائن الاصول ، فنّ الاستصحاب ، الورقة ١١.

(٣) لم ترد «له» في التهذيب وإحدى روايات الوسائل.

قلت : فإنّي قد علمت أنّه قد أصابه ، ولم أدر أين هو فأغسله؟

قال : تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها ، حتّى تكون على يقين من طهارتك.

قلت : فهل عليّ إن شككت في أنّه أصابه شيء ، أن انظر فيه؟

قال : لا ، ولكنّك إنّما تريد أن تذهب بالشكّ (١) الذي وقع في نفسك.

قلت : إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟

قال : تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته ، وإن لم تشكّ ثمّ رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثمّ بنيت على الصلاة ؛ لأنّك لا تدري ، لعلّه شيء اوقع عليك ؛ فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ ... الحديث» (٢).

والتقريب : كما تقدّم في الصحيحة الاولى (٣) ، وإرادة الجنس من اليقين لعلّه أظهر هنا.

فقه الحديث ومورد الاستدلال :

وأمّا فقه الحديث ، فبيانه : أنّ مورد الاستدلال يحتمل وجهين :

__________________

(١) في المصدر بدل «بالشكّ» : «الشكّ».

(٢) التهذيب ١ : ٤٢١ ، الباب ٢٢ ، الحديث ١٣٣٥. وأورده في الوسائل ٢ : ١٠٦٣ ، الباب ٤٢ من أبواب النجاسات ، الحديث ٢ ، و ١٠٦١ ، الباب ٤١ من الأبواب ، الحديث الأول ، و ١٠٠٦ ، الباب ٧ من الابواب ، الحديث ٢ ، و ١٠٥٣ ، الباب ٣٧ من الأبواب ، الحديث الأوّل ، و ١٠٦٥ ، الباب ٤٤ من الابواب ، الحديث الأوّل.

(٣) راجع الصفحة ٥٦.

أحدهما : أن يكون مورد السؤال فيه أن رأى بعد الصلاة نجاسة يعلم أنّها هي التي خفيت عليه قبل الصلاة ، وحينئذ فالمراد : اليقين بالطهارة قبل ظنّ الإصابة ، والشكّ حين إرادة الدخول في الصلاة.

لكن ، عدم نقض ذلك اليقين بذلك الشكّ إنّما يصلح علّة لمشروعيّة الدخول في العبادة المشروطة بالطهارة مع الشكّ فيها ، وأنّ الامتناع عن الدخول فيها نقض لآثار تلك الطهارة المتيقّنة ، لا لعدم وجوب الإعادة على من تيقّن أنّه صلّى في النجاسة ـ كما صرّح (١) به السيّد الشارح للوافية (٢) ـ إذ الإعادة ليست نقضا لأثر الطهارة المتيقّنة بالشكّ ، بل هو نقض باليقين ؛ بناء على أنّ من آثار حصول اليقين بنجاسة الثوب حين الصلاة ولو بعدها وجوب إعادتها.

وربما يتخيّل (٣) : حسن التعليل لعدم الإعادة ؛ بملاحظة (٤) اقتضاء امتثال الأمر الظاهري للإجزاء ، فيكون الصحيحة من حيث تعليلها دليلا على تلك القاعدة وكاشفة عنها.

وفيه : أنّ ظاهر قوله : «فليس ينبغي» ، يعني ليس ينبغي لك الإعادة لكونه نقضا ، كما أنّ ظاهر (٥) قوله عليه‌السلام في الصحيحة الاولى (٦) :

__________________

(١) في (ه) و (ظ) بدل «صرّح» : «جزم».

(٢) شرح الوافية (مخطوط) : ٣٦١.

(٣) هذا التخيّل من شريف العلماء (استاذ المصنّف) ، انظر تقريرات درسه في ضوابط الاصول : ٣٥٤.

(٤) في (ظ) بدل «لعدم الإعادة بملاحظة» : «بموجب».

(٥) «ظاهر» من (ص).

(٦) «الاولى» من (ت) و (ه).

«لا ينقض اليقين بالشكّ أبدا» ، عدم إيجاب إعادة الوضوء ، فافهم ؛ فإنّه لا يخلو عن دقّة.

ودعوى : أنّ من آثار الطهارة السابقة إجزاء الصلاة معها (١) وعدم وجوب الإعادة لها ، فوجوب الإعادة نقض لآثار الطهارة السابقة (٢).

مدفوعة : بأنّ الصحّة الواقعيّة وعدم الإعادة للصلاة مع الطهارة المتحقّقة سابقا ، من الآثار العقليّة الغير المجعولة للطهارة المتحقّقة ؛ لعدم معقوليّة عدم الإجزاء فيها ، مع أنّه يوجب الفرق بين وقوع تمام الصلاة مع النجاسة فلا يعيد وبين وقوع بعضها معها فيعيد ، كما هو ظاهر قوله عليه‌السلام بعد ذلك : «وتعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته». إلاّ أن يحمل هذه الفقرة ـ كما استظهره شارح الوافية (٣) ـ على ما لو علم الإصابة وشكّ في موضعها ولم يغسلها نسيانا ، وهو مخالف لظاهر الكلام وظاهر قوله عليه‌السلام بعد ذلك : «وإن لم تشكّ ثمّ رأيته ... الخ».

والثاني : أن يكون مورد السؤال رؤية النجاسة بعد الصلاة مع احتمال وقوعها بعدها ، فالمراد : أنّه ليس ينبغي أن تنقض (٤) يقين الطهارة بمجرّد احتمال وجود النجاسة حال الصلاة.

وهذا الوجه سالم عمّا يرد على الأوّل ، إلاّ أنّه خلاف ظاهر السؤال. نعم ، مورد قوله عليه‌السلام أخيرا : «فليس ينبغي لك ... الخ» هو

__________________

(١) لم ترد «معها» في (ر).

(٢) هذه الدعوى من شريف العلماء أيضا.

(٣) شرح الوافية (مخطوط) : ٣٦١.

(٤) في (ر) ، (ص) و (ظ): «ينقض».