درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۶۶: تنبیهات استصحاب ۲۲

 

هل يجري الاستصحاب في موضوع الحكم العقلي؟

وأمّا موضوعه ـ كالضرر المشكوك بقاؤه في المثال المتقدّم ـ فالذي ينبغي أن يقال فيه :

إنّ الاستصحاب إن اعتبر من باب الظنّ عمل به هنا ؛ لأنّه يظنّ الضرر بالاستصحاب ، فيحمل عليه الحكم العقليّ إن كان موضوعه أعمّ من القطع والظنّ ، كما في مثال الضرر (١).

وإن اعتبر من باب التعبّد ـ لأجل الأخبار ـ فلا يجوز العمل به ؛ للقطع بانتفاء حكم العقل مع الشكّ في الموضوع الذي كان يحكم عليه مع القطع (٢).

مثلا : إذا ثبت بقاء الضرر في السمّ في المثال المتقدّم بالاستصحاب ، فمعنى ذلك ترتيب الآثار الشرعيّة المجعولة للضرر على مورد الشكّ ، وأمّا الحكم العقلي (٣) بالقبح والحرمة (٤) فلا يثبت إلاّ مع إحراز الضرر (٥). نعم ، يثبت الحرمة الشرعيّة بمعنى نهي الشارع ظاهرا (٦) ، ولا منافاة بين انتفاء

__________________

(١) لم ترد «إن كان ـ إلى ـ الضرر» في (ظ) ، وفي (ت) و (ص) كتب فوقها : «نسخة».

(٢) لم ترد «فلا يجوز ـ إلى ـ مع القطع» في (ظ) ، وفي (ت) و (ص) كتب عليها : «نسخة» ، وورد بدلها في هذه النسخ ما يلي : «فلا يثبت إلاّ الآثار الشرعيّة المجعولة القابلة للجعل الظاهريّ ، وتعبّد الشارع بالحكم العقلي يخرجه عن كونه حكما عقليّا» ، لكن شطب عليها في (ت).

(٣) في (ص): «حكم العقل».

(٤) لم ترد «الحرمة» في (ر).

(٥) في (ر) ونسخة بدل (ص) بدل «مع إحراز الضرر» : «بذلك».

(٦) في (ر) و (ص) زيادة : «لثبوتها سابقا ولو بواسطة الحكم العقلي» ، وفي (ص) بدل «سابقا» : «ظاهرا» ، وكتبت على هذه الزيادة فيها : «نسخة».

الحكم العقليّ وثبوت الحكم الشرعيّ ؛ لأنّ عدم حكم العقل (١) مع الشكّ إنّما هو لاشتباه الموضوع عنده ، وباشتباهه يشتبه الحكم الشرعيّ الواقعيّ أيضا ، إلاّ أنّ الشارع حكم على هذا المشتبه الحكم الواقعيّ بحكم ظاهريّ هي الحرمة.

ما يظهر مّما ذكرنا

وممّا ذكرنا ـ من عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقليّ ـ يظهر :

ما في تمسّك بعضهم (٢) لإجزاء ما فعله الناسي لجزء من العبادة أو شرطها ، باستصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان.

وما في اعتراض بعض المعاصرين (٣) على من خصّ ـ من القدماء والمتأخّرين ـ استصحاب حال العقل باستصحاب العدم ، بأنّه لا وجه للتخصيص ؛ فإنّ حكم العقل المستصحب قد يكون وجوديّا تكليفيّا كاستصحاب تحريم التصرّف في مال الغير ووجوب ردّ الأمانة إذا عرض هناك ما يحتمل معه زوالهما ـ كالاضطرار والخوف ـ أو وضعيّا كشرطيّة العلم للتكليف إذا عرض ما يوجب الشكّ في بقائها. ويظهر حال المثالين الأوّلين ممّا ذكرنا سابقا (٤). وأمّا المثال الثالث ، فلم يتصوّر فيه الشكّ في بقاء شرطيّة العلم للتكليف في زمان. نعم ، ربما يستصحب التكليف فيما كان المكلّف به معلوما بالتفصيل ثمّ اشتبه وصار معلوما

__________________

(١) في (ت): «الحكم العقلي».

(٢) لم نقف عليه ، وقيل : إنّه المحقّق القمّي ، انظر أوثق الوسائل : ٤٤٥.

(٣) هو صاحب الفصول في الفصول : ٣٦٦.

(٤) من : عدم إمكان جريان الاستصحاب في الحكم العقلي ، انظر الصفحة ٢١٥.

بالإجمال ، لكنّه خارج عمّا نحن فيه ، مع عدم جريان الاستصحاب فيه ، كما سننبّه عليه (١).

ويظهر أيضا فساد التمسّك باستصحاب البراءة والاشتغال الثابتين بقاعدتي البراءة والاشتغال (٢).

مثال الأوّل : ما إذا قطع بالبراءة عن وجوب غسل الجمعة والدعاء عند رؤية الهلال قبل الشرع أو العثور عليه ، فإنّ مجرّد الشكّ في حصول الاشتغال كاف في حكم العقل بالبراءة ، ولا حاجة إلى إبقاء البراءة السابقة والحكم بعدم ارتفاعها ظاهرا ، فلا فرق بين الحالة السابقة واللاحقة في استقلال العقل بقبح التكليف فيهما ؛ لكون المناط في القبح عدم العلم. نعم ، لو اريد إثبات عدم الحكم أمكن إثباته باستصحاب عدمه ، لكنّ المقصود من استصحابه ليس إلاّ ترتيب آثار عدم الحكم ، وليس إلاّ عدم الاشتغال الذي يحكم به العقل في زمان الشكّ ، فهو من آثار الشكّ لا المشكوك.

ومثال الثاني : ما إذا حكم العقل ـ عند اشتباه المكلّف به ـ بوجوب السورة في الصلاة ، ووجوب الصلاة إلى أربع جهات ، ووجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين في الشبهة المحصورة ، ففعل ما يحتمل معه بقاء التكليف الواقعيّ وسقوطه ـ كأن صلّى بلا سورة أو إلى بعض الجهات أو اجتنب أحدهما ـ فربما يتمسّك حينئذ باستصحاب الاشتغال المتيقّن سابقا.

__________________

(١) سيأتي التنبيه عليه في الصفحة اللاحقة عند قوله : «لكنّه لا يقضي».

(٢) تقدّم هذا الاستدلال في مبحث البراءة والاشتغال ٢ : ٥٩ و ٣٢٥ ـ ٣٢٦.