درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۸۹: تنبیهات استصحاب ۴۵

 

فعلم أنّه صار كرّا بعده وارتفع كرّيّته بعد ذلك ، فنقول : الأصل عدم كرّيّته في يوم الخميس ، ولا يثبت بذلك كرّيّته يوم الجمعة ، فلا يحكم بطهارة ثوب نجس وقع فيه في أحد اليومين ؛ لأصالة بقاء نجاسته وعدم أصل حاكم عليه. نعم ، لو وقع فيه في كلّ من اليومين حكم بطهارته من باب انغسال الثوب بماءين مشتبهين.

٢ ـ إذا لوحظ بالقياس إلى حادث آخر وجهل تأريخهما

وقد يلاحظ تأخّر الحادث بالقياس إلى حادث آخر ، كما إذا علم بحدوث حادثين وشكّ في تقدّم أحدهما على الآخر ، فإمّا أن يجهل تأريخهما أو يعلم تأريخ أحدهما :

فإن جهل تأريخهما فلا يحكم بتأخّر أحدهما المعيّن عن الآخر ؛ لأنّ التأخّر في نفسه ليس مجرى الاستصحاب ؛ لعدم مسبوقيّته باليقين. وأمّا أصالة عدم أحدهما في زمان حدوث الآخر فهي معارضة بالمثل ، وحكمه التساقط مع ترتّب الأثر على كلّ واحد من الأصلين ، وسيجيء تحقيقه (١) إن شاء الله تعالى. وهل يحكم بتقارنهما في مقام يتصوّر التقارن ؛ لأصالة عدم كلّ منهما قبل وجود الآخر؟ وجهان :

من كون التقارن أمرا وجوديّا لازما لعدم (٢) كلّ منهما قبل الآخر.

ومن كونه من اللوازم الخفيّة حتّى كاد يتوهّم أنّه عبارة عن عدم تقدّم أحدهما على الآخر في الوجود.

لو كان أحدهما معلوم التأريخ

وإن كان أحدهما معلوم التأريخ فلا يحكم على مجهول التأريخ إلاّ بأصالة عدم وجوده في تأريخ ذلك ، لا تأخّر وجوده عنه بمعنى حدوثه بعده. نعم ، يثبت ذلك على القول بالأصل المثبت. فإذا علم تأريخ

__________________

(١) في مبحث تعارض الاستصحابين ، الصفحة ٤٠٧.

(٢) في (ت) و (ص) زيادة : «كون».

ملاقاة الثوب للحوض وجهل تأريخ صيرورته كرّا ، فيقال : الأصل بقاء قلّته وعدم كرّيّته في زمان الملاقاة. وإذا علم تأريخ الكريّة حكم أيضا بأصالة عدم تقدّم (١) الملاقاة في زمان الكرّيّة ، وهكذا.

وربما يتوهّم (٢) : جريان الأصل في طرف المعلوم أيضا (٣) ، بأن يقال : الأصل عدم وجوده في الزمان الواقعيّ للآخر.

قولان آخران في هذه الصورة

ويندفع : بأنّ نفس وجوده غير مشكوك في زمان ، وأمّا وجوده في زمان الآخر فليس مسبوقا بالعدم.

ثمّ إنّه يظهر من الأصحاب هنا قولان آخران :

القول الأوّل

أحدهما : جريان هذا الأصل في طرف مجهول التأريخ ، وإثبات تأخّره عن معلوم التأريخ بذلك. وهو ظاهر المشهور ، وقد صرّح بالعمل به الشيخ (٤) وابن حمزة (٥) والمحقّق (٦) والعلاّمة (٧) والشهيدان (٨) وغيرهم (٩) في

__________________

(١) لم ترد «تقدّم» في (ر).

(٢) توهّمه جماعة ، منهم : صاحب الجواهر وشيخه كاشف الغطاء ـ كما سيأتي ـ حيث توهّموا جريان أصالة العدم في المعلوم أيضا ، وجعلوا المورد من المتعارضين ، كما في مجهولي التأريخ.

(٣) «أيضا» من نسخة (حاشية بارفروش ٢ : ١٢٤).

(٤) المبسوط ٨ : ٢٧٣.

(٥) الوسيلة : ٢٢٥.

(٦) الشرائع ٤ : ١٢٠.

(٧) قواعد الأحكام (الطبعة الحجريّة) ٢ : ٢٢٩ ، والتحرير ٢ : ٣٠٠.

(٨) الدروس ٢ : ١٠٨ ، والمسالك ٢ : ٣١٩.

(٩) مثل الفاضل الهندي في كشف اللثام ٢ : ٣٦١.

بعض الموارد ، منها : مسألة اتّفاق الوارثين على إسلام أحدهما في غرّة رمضان واختلافهما في موت المورّث قبل الغرّة أو بعدها ، فإنّهم حكموا بأنّ القول قول مدّعي تأخّر الموت.

نعم ، ربما يظهر من إطلاقهم التوقّف في بعض المقامات ـ من غير تفصيل بين العلم بتأريخ أحد الحادثين وبين الجهل بهما ـ عدم العمل بالأصل في المجهول مع علم تأريخ الآخر ، كمسألة اشتباه تقدّم الطهارة أو الحدث ، ومسألة اشتباه الجمعتين ، واشتباه موت المتوارثين ، ومسألة اشتباه تقدّم رجوع المرتهن عن الإذن في البيع على وقوع البيع أو تأخّره عنه ، وغير ذلك.

لكنّ الإنصاف : عدم الوثوق بهذا الإطلاق ، بل هو إمّا محمول على صورة الجهل بتأريخهما ـ وأحالوا صورة العلم بتأريخ أحدهما على ما صرّحوا به في مقام آخر ـ أو على محامل أخر.

وكيف كان ، فحكمهم في مسألة الاختلاف في تقدّم الموت على الإسلام وتأخّره مع إطلاقهم في تلك الموارد ، من قبيل النصّ والظاهر. مع أنّ جماعة منهم نصّوا على تقييد هذا الإطلاق في موارد ، كالشهيدين في الدروس (١) والمسالك (٢) في مسألة الاختلاف في تقدّم الرجوع عن الإذن في بيع الرهن على بيعه وتأخّره ، والعلاّمة الطباطبائيّ (٣) في مسألة

__________________

(١) الدروس ٣ : ٤٠٩.

(٢) المسالك ٤ : ٧٨.

(٣) حيث قال في منظومته في الفقه ـ الدرّة النجفيّة : ٢٣ ـ :

وإن يكن يعلم كلّ منهما

مشتبها عليه ما تقدّما

فهو على الأظهر مثل المحدث

إلاّ إذا عيّن وقت الحدث