درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۹۵: تنبیهات استصحاب ۵۱

 

الأمر التاسع

لا فرق في المستصحب بين أن يكون من الموضوعات الخارجيّة أو اللغويّة أو الأحكام الشرعيّة العمليّة ، اصوليّة كانت أو فرعيّة.

عدم جريان الاستصحاب في الامور الاعتقاديّة

وأمّا الشرعيّة الاعتقاديّة ، فلا يعتبر الاستصحاب فيها ؛ لأنّه :

إن كان من باب الأخبار فليس مؤدّاها إلاّ الحكم على ما كان (١) معمولا به على تقدير اليقين (٢) ، والمفروض أنّ وجوب الاعتقاد بشيء على تقدير اليقين به لا يمكن الحكم به عند الشكّ ؛ لزوال الاعتقاد فلا يعقل التكليف.

وإن كان من باب الظنّ فهو مبنيّ على اعتبار الظنّ في اصول الدين ، بل الظنّ غير حاصل فيما كان المستصحب من العقائد الثابتة بالعقل أو النقل القطعيّ ؛ لأنّ الشكّ إنّما ينشأ من تغيّر بعض ما يحتمل مدخليّته وجودا أو عدما في المستصحب. نعم ، لو شكّ في نسخة أمكن دعوى الظنّ ، لو لم يكن احتمال النسخ ناشئا عن احتمال نسخ أصل

__________________

(١) في (ت) و (ص) بدل «الحكم على ما كان» : «حكما عمليّا».

(٢) في (ص) ، (ظ) و (ر) زيادة : «به».

الشريعة ، لا نسخ الحكم في تلك الشريعة.

أمّا الاحتمال الناشئ عن احتمال نسخ الشريعة فلا يحصل الظنّ بعدمه ؛ لأنّ نسخ الشرائع شائع ، بخلاف نسخ الحكم في شريعة واحدة ؛ فإنّ الغالب بقاء الأحكام.

لو شكّ في نسخ أصل الشريعة؟

وممّا ذكرنا يظهر أنّه لو شكّ في نسخ أصل الشريعة لم يجز التمسّك بالاستصحاب لإثبات بقائها ، مع أنّه لو سلّمنا حصول الظنّ فلا دليل على حجّيّته حينئذ ؛ لعدم مساعدة العقل عليه وإن انسدّ باب العلم ؛ لإمكان الاحتياط إلاّ فيما لا يمكن. والدليل النقليّ الدالّ عليه لا يجدي ؛ لعدم ثبوت الشريعة السابقة ولا اللاحقة.

تمسّك بعض أهل الكتاب باستصحاب شرعه

فعلم ممّا ذكرنا أنّ ما يحكى : من تمسّك بعض أهل الكتاب ـ في مناظرة بعض الفضلاء السادة (١) ـ باستصحاب شرعه ، ممّا لا وجه له ، إلاّ أن يريد جعل البيّنة على المسلمين في دعوى الشريعة الناسخة ، إمّا لدفع كلفة الاستدلال عن نفسه ، وإمّا لإبطال دعوى المدّعي ؛ بناء على أنّ مدّعي الدين الجديد كمدّعي النبوّة يحتاج إلى برهان قاطع ، فعدم الدليل القاطع للعذر على الدين الجديد ـ كالنبيّ الجديد ـ دليل قطعيّ

__________________

(١) هو السيّد باقر القزويني على ما نقله الآشتياني ـ في بحر الفوائد ٣ : ١٥٠ ـ عن المصنّف ، وقيل : إنّه السيّد حسين القزويني ، وقيل : إنّه السيّد محسن الكاظمي ، وفي أوثق الوسائل (٥١٦) عن رسالة لبعض تلامذة العلاّمة بحر العلوم : أنّ المناظرة جرت بين السيّد بحر العلوم وبين عالم يهودي حين سافر إلى زيارة أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام في بلدة ذي الكفل ، وكانت محل تجمّع اليهود آنذاك ، كما أنّه يحتمل تعدّد الواقعة.

على عدمه بحكم العادة ، بل العقل ، فغرض الكتابيّ إثبات حقّية دينه بأسهل الوجهين.

بعض الأجوبة عن استصحاب الكتابي ومناقشتها

ثمّ إنّه قد اجيب عن استصحاب الكتابيّ المذكور بأجوبة :

منها : ما حكي (١) عن بعض الفضلاء المناظرين له :

١ ـ ما ذكره بعض الفضلاء

وهو أنّا نؤمن ونعترف بنبوّة كلّ موسى وعيسى أقرّ بنبوّة نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكافر (٢) بنبوّة كلّ من لم يقرّ بذلك. وهذا مضمون ما ذكره مولانا الرضا عليه‌السلام في جواب الجاثليق (٣).

وهذا الجواب بظاهره مخدوش بما عن الكتابيّ : من أنّ موسى بن عمران أو عيسى بن مريم شخص واحد وجزئيّ حقيقيّ اعترف المسلمون وأهل الكتاب بنبوّته ، فعلى المسلمين نسخها.

وأمّا ما ذكره الإمام عليه‌السلام (٤) ، فلعلّه أراد به غير ظاهره ، بقرينة ظاهرة بينه وبين الجاثليق. وسيأتي ما يمكن أن يؤوّل به.

٢ ـ ما ذكره الفاضل النراقي

ومنها : ما ذكره بعض المعاصرين (٥) : من أنّ استصحاب النبوّة معارض باستصحاب عدمها الثابت قبل حدوث أصل النبوّة ؛ بناء على أصل فاسد تقدّم حكايته عنه ، وهو : أنّ الحكم الشرعيّ الموجود يقتصر فيه على القدر المتيقّن ، وبعده يتعارض استصحاب وجوده

__________________

(١) حكاه المحقّق القمي في القوانين ٢ : ٧٠.

(٢) كذا في النسخ ، والمناسب : «نكفر».

(٣) راجع عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١ : ١٥٧ ، والاحتجاج ٢ : ٢٠٢.

(٤) في نسخة بدل (ص) زيادة : «في جواب الجاثليق».

(٥) هو الفاضل النراقي ، انظر مناهج الأحكام : ٢٣٧.