درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۰۱: تنبیهات استصحاب ۵۸

 

بناء على ما ثبت : من انفتاح باب العلم في مثل هذه المسألة ، كما يدلّ عليه النصّ الدالّ على تعذيب الكفّار (١) ، والإجماع المدّعى (٢) على عدم معذوريّة الجاهل (٣) ، خصوصا في هذه المسألة ، خصوصا من مثل هذا الشخص الناشئ في بلاد الإسلام. وكيف كان ، فلا يبقى مجال للتمسّك بالاستصحاب.

وإن أراد به الإسكات والإلزام ، ففيه : أنّ الاستصحاب ليس دليلا إسكاتيّا ؛ لأنّه فرع الشكّ ، وهو أمر وجدانيّ ـ كالقطع ـ لا يلزم (٤) به أحد.

وإن أراد بيان أنّ مدّعي ارتفاع الشريعة السابقة ونسخها محتاج إلى الاستدلال ، فهو غلط ؛ لأنّ مدّعي البقاء في مثل المسألة ـ أيضا ـ يحتاج إلى الاستدلال عليه.

الوجه الثاني

الوجه الثاني : أنّ اعتبار الاستصحاب إن كان من باب الأخبار ، فلا ينفع الكتابيّ التمسّك به ؛ لأنّ ثبوته في شرعنا مانع عن استصحاب النبوّة ، وثبوته في شرعهم غير معلوم. نعم ، لو ثبت ذلك من شريعتهم أمكن التمسّك به ؛ لصيرورته حكما إلهيّا (٥) غير منسوخ يجب تعبّد

__________________

(١) فصّلت : ٦.

(٢) انظر شرح الألفيّة (رسائل المحقّق الكركي) ٣ : ٣٠٣ ، ومفتاح الكرامة ٣ : ٢٨٣.

(٣) تقدّم الكلام عن عدم معذوريّة الجاهل في مبحث البراءة ٢ : ٤١٢.

(٤) في غير (ظ) بدل «لا يلزم» : «لا يلتزم».

(٥) لم ترد «إلهيّا» في (ظ).

الفريقين به.

وإن كان من باب الظنّ ، فقد عرفت ـ في صدر المبحث ـ أنّ حصول الظنّ ببقاء الحكم الشرعيّ الكلّيّ ممنوع جدّا ، وعلى تقديره فالعمل بهذا الظنّ في مسألة النبوّة ممنوع. وإرجاع الظنّ بها إلى الظنّ بالأحكام الكلّيّة الثابتة في تلك الشريعة أيضا لا يجدي ؛ لمنع الدليل على العمل بالظنّ ، عدا دليل الانسداد الغير الجاري في المقام مع التمكّن من التوقّف والاحتياط في العمل. ونفي الحرج لا دليل عليه في الشريعة السابقة ، خصوصا بالنسبة إلى قليل من الناس ممّن لم يحصل له العلم بعد الفحص والبحث.

ودعوى : قيام الدليل الخاصّ على اعتبار هذا الظنّ ؛ بالتقريب الذي ذكره بعض المعاصرين (١) : من أنّ شرائع الأنبياء السلف وإن كانت لم تثبت على سبيل الاستمرار ، لكنّها في الظاهر لم تكن محدودة بزمن معيّن ، بل بمجيء النبيّ اللاحق ، ولا ريب أنّها تستصحب ما لم تثبت نبوّة اللاحق ، ولو لا ذلك لاختلّ على الامم السابقة نظام شرائعهم ؛ من حيث تجويزهم في كلّ زمان ظهور نبيّ ولو في الأماكن البعيدة ، فلا يستقرّ لهم البناء على أحكامهم.

مدفوعة : بأنّ استقرار الشرائع لم يكن بالاستصحاب قطعا ؛ وإلاّ لزم كونهم شاكّين في حقّيّة شريعتهم ونبوّة نبيّهم (٢) في أكثر الأوقات لما تقدّم (٣) : من أنّ الاستصحاب بناء على كونه من باب الظنّ لا يفيد

__________________

(١) هو صاحب الفصول في الفصول : ٣٨٠.

(٢) لم ترد «نبوّة نبيّهم» في (ظ) ، وشطب عليها في (ت) و (ه).

(٣) راجع الصفحة ٨٧ ـ ٨٨.

الظنّ الشخصيّ في كلّ مورد. وغاية ما يستفاد من بناء العقلاء في الاستصحاب ، هي ترتيب الأعمال المترتّبة على الدين السابق دون حقّيّة دينهم ونبوّة نبيّهم التي هي من اصول الدين.

فالأظهر أن يقال : إنّهم كانوا قاطعين بحقيّة دينهم ؛ من جهة بعض العلامات التي أخبرهم بها النبيّ السابق. نعم ، بعد ظهور النبيّ الجديد ، الظاهر كونهم شاكّين في دينهم مع بقائهم على الأعمال ، وحينئذ فللمسلمين أيضا أن يطالبوا اليهود بإثبات حقيّة دينهم ؛ لعدم الدليل لهم عليها وإن كان لهم الدليل على البقاء على الأعمال في الظاهر (١).

الوجه الثالث

الثالث : أنّا لم نجزم بالمستصحب ـ وهي نبوّة موسى أو عيسى عليهما‌السلام ـ إلاّ بإخبار نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونصّ القرآن ؛ وحينئذ فلا معنى للاستصحاب.

ودعوى : أنّ النبوّة موقوفة على صدق نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا على نبوّته ، مدفوعة : بأنّا لم نعرف صدقه إلاّ من حيث نبوّته.

والحاصل : أنّ الاستصحاب موقوف على تسالم المسلمين وغيرهم عليه ، لا من جهة النصّ عليه في هذه الشريعة. وهو مشكل ، خصوصا بالنسبة إلى عيسى عليه‌السلام ؛ لإمكان معارضة قول النصارى بتكذيب اليهود (٢).

الوجه الرابع

الرابع : أنّ مرجع النبوّة المستصحبة ليس إلاّ إلى وجوب التديّن بجميع ما جاء به ذلك النبيّ ، وإلاّ فأصل صفة النبوّة أمر قائم بنفس النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لا معنى لاستصحابه ؛ لعدم قابليّته للارتفاع أبدا. ولا ريب

__________________

(١) في (ص) و (ظ) زيادة : «فتأمّل».

(٢) في (ت) و (ه) زيادة : «به».