درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۲۵: شرایط استصحاب ۱۲

 

فإن قلت : إنّ معنى المضيّ على اليقين عدم التوقّف من أجل الشكّ العارض وفرض الشكّ كعدمه ، وهذا يختلف باختلاف متعلّق الشكّ ، فالمضيّ مع الشكّ في الحدوث بمعنى الحكم بالحدوث ، ومع الشكّ في البقاء بمعنى الحكم به.

قلت : لا ريب في اتّحاد متعلّقي الشكّ واليقين وكون المراد المضيّ على ذلك اليقين المتعلّق بما تعلّق به الشكّ ، والمفروض أنّه ليس في السابق إلاّ يقين واحد ، وهو اليقين بعدالة زيد ، والشكّ فيها (١) ليس له (٢) هنا (٣) فردان يتعلّق أحدهما بالحدوث والآخر بالبقاء.

وبعبارة اخرى : عموم أفراد اليقين باعتبار الامور الواقعيّة ، كعدالة زيد وفسق عمرو ، لا باعتبار تعدّد (٤) ملاحظة اليقين بشيء (٥) واحد ، حتّى ينحلّ اليقين بعدالة زيد إلى فردين يتعلّق بكلّ منهما شكّ (٦).

وحينئذ ، فإن اعتبر المتكلّم في كلامه الشكّ في هذا المتيقّن من دون تقييده بيوم الجمعة ، فالمضيّ على هذا اليقين عبارة عن الحكم باستمرار هذا المتيقّن ، وإن اعتبر الشكّ فيه مقيّدا بذلك اليوم ، فالمضيّ

__________________

(١) في (ه) و (ر) زيادة : «و».

(٢) لم ترد «له» في (ه).

(٣) لم ترد «هنا» في (ص).

(٤) «تعدّد» من (ت) و (ه).

(٥) في (ه): «لشيء».

(٦) لم ترد «وبعبارة اخرى ـ إلى ـ بكلّ منهما شكّ» في (ر) و (ظ) ، وورد بدلها : «بل المراد الشكّ في نفس ما تيقّن».

على ذلك المتيقّن الذي تعلّق به الشكّ عبارة عن الحكم بحدوثه من غير تعرّض للبقاء ، كأنّه قال : من كان على يقين من عدالة زيد يوم الجمعة فشكّ فيها ، فليمض على يقينه السابق (١).

عدم إرادة القاعدتين من سائر الأخبار أيضا

وقس على هذا سائر الأخبار الدالّة على عدم نقض اليقين بالشكّ ، فإنّ الظاهر اتحاد متعلّق الشكّ واليقين ، فلا بدّ أن يلاحظ المتيقّن والمشكوك غير مقيّدين بالزمان ، وإلاّ لم يجز (٢) استصحابه ، كما تقدّم في ردّ شبهة من قال بتعارض الوجود والعدم في شيء واحد (٣).

والمفروض في القاعدة الثانية كون الشكّ متعلّقا بالمتيقّن السابق

__________________

(١) كتب في (ص) على «كأنّه قال ـ إلى ـ السابق» : «نسخة» ، وكتب عليها في (ه): «نسخة بدل».

ـ وفي (ت) ونسخة بدل (ه) زيادة : «يعني ترتيب آثار عدالة زيد فيه ، فالمضيّ على عدالة زيد وترتيب آثاره ، يكون تارة بالحكم بعدالته في الزمان اللاحق ، واخرى بالحكم بعدالته في ذلك الزمان المتيقّن ، وهذان لا يجتمعان في الإرادة».

ـ وفي (آ) زيادة ما يلي : «وإن أردت توضيح الحال ، فافرض أنّه قال : من كان على يقين من عدالة زيد يوم الجمعة فشك فيها فليمض على يقينه السابق ، والمعنى : أنّ من كان على يقين من شيء وشك في ذلك الشيء فليمض على يقينه بذلك الشيء. فإن اعتبر اليقين السابق متعلّقا بعدالة زيد من دون تقييدها بيوم الجمعة ، فالشك اللاحق فيها بهذا الاعتبار شكّ في بقائها ، وإن اعتبر متعلّقا بعدالة زيد مقيّدة بيوم الجمعة ، فالشكّ فيها بهذه الملاحظة شكّ في حدوثها».

(٢) في (ظ) بدل «يجز» : «يجر».

(٣) راجع الصفحة ٢١٠.

بوصف وجوده في الزمان السابق. ومن المعلوم عدم جواز إرادة الاعتبارين من اليقين والشكّ في تلك الأخبار (١).

ودعوى : أنّ اليقين بكلّ من الاعتبارين فرد من اليقين ، وكذلك الشكّ المتعلّق فرد من الشكّ ، فكلّ فرد لا ينقض بشكّه.

مدفوعة : بما تقدّم (٢) ، من أنّ (٣) تعدّد اللحاظ والاعتبار في المتيقّن السابق ، بأخذه تارة مقيّدا بالزمان السابق واخرى بأخذه مطلقا ، لا يوجب تعدّد أفراد اليقين. وليس اليقين بتحقّق مطلق العدالة في يوم الجمعة واليقين بعدالته المقيّدة بيوم الجمعة فردين من اليقين تحت عموم الخبر ، بل الخبر بمثابة أن يقال : من كان على يقين من عدالة زيد أو فسقه أو غيرهما من حالاته فشكّ فيه ، فليمض على يقينه بذلك ، فافهم (٤).

اختصاص مدلول الأخبار بقاعدة الاستصحاب

ثمّ إذا ثبت عدم جواز إرادة المعنيين ، فلا بدّ أن يخصّ (٥) مدلولها بقاعدة الاستصحاب ؛ لورودها في موارد تلك القاعدة ، كالشكّ في الطهارة من الحدث والخبث ، ودخول هلال شهر رمضان أو شوّال.

هذا كلّه ، لو اريد من القاعدة الثانية إثبات نفس المتيقّن عند

__________________

(١) في (ص) كتب على «والمفروض ـ إلى ـ تلك الأخبار» : «زائد» ، وفي (ه) : «نسخة بدل».

(٢) راجع الصفحة ٣٠٦.

(٣) في (ر) و (ظ) بدل «بما تقدّم من أنّ» : «بأن».

(٤) في (ر) و (ص) زيادة : «فإنّه لا يخلو عن دقّة».

(٥) في (ر) ، (ظ) ، (ه) ونسخة بدل (ص): «يختصّ».

الشكّ ، وهي عدالة زيد في يوم الجمعة مثلا.

أمّا لو اريد منها إثبات عدالته من (١) يوم الجمعة مستمرّة إلى زمان الشكّ وما بعده إلى اليقين بطروء الفسق ، فيلزم استعمال الكلام في معنيين ، حتّى لو اريد منه القاعدة الثانية فقط ، كما لا يخفى (٢) ؛ لأنّ الشكّ في عدالة زيد يوم الجمعة غير الشكّ في استمرارها إلى الزمان اللاحق (٣). وقد تقدّم نظير ذلك في قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (٤).

ثمّ لو سلّمنا دلالة الروايات على ما يشمل القاعدتين ، لزم حصول التعارض في مدلول الرواية المسقط له عن الاستدلال به على القاعدة الثانية ؛ لأنّه إذا شكّ في ما تيقّن سابقا ، أعني عدالة زيد في يوم الجمعة ، فهذا الشكّ معارض لفردين من اليقين ، أحدهما : اليقين بعدالته المقيّدة بيوم الجمعة ، الثاني : اليقين بعدم عدالته المطلقة قبل يوم الجمعة ، فتدلّ بمقتضى القاعدة الثانية على عدم نقض اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة باحتمال انتفائها في ذلك الزمان ، وبمقتضى قاعدة الاستصحاب على عدم نقض اليقين بعدم عدالته قبل الجمعة باحتمال حدوثها في الجمعة ، فكلّ من طرفي الشكّ معارض لفرد من اليقين.

ودعوى : أنّ اليقين السابق على الجمعة قد انتقض باليقين في الجمعة ،

__________________

(١) لم ترد «من» في (ت) و (ه).

(٢) في (ر) بدل «حتّى لو ـ إلى ـ لا يخفى» : «أيضا».

(٣) في (ظ) زيادة : «فافهم».

(٤) راجع الصفحة ٧٣ ـ ٧٤.