درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۶۸: تعارض استصحاب با سایر اصول عملیه ۸

 

السابق في صحيحة زرارة ، بمجرّد كونه متيقّنا سابقا غير متيقّن الارتفاع في اللاحق. وبعبارة اخرى : علّل بقاء الطهارة المستلزم لجواز الدخول في الصلاة بمجرّد الاستصحاب. ومن المعلوم أنّ مقتضى استصحاب الاشتغال بالصلاة عدم براءة الذمّة بهذه الصلاة ، حتّى أنّ بعضهم (١) جعل استصحاب الطهارة وهذا الاستصحاب من الاستصحابين المتعارضين ، فلو لا عدم جريان هذا الاستصحاب ، وانحصار الاستصحاب في المقام باستصحاب الطهارة لم يصحّ تعليل المضيّ على الطهارة بنفس الاستصحاب ؛ لأنّ تعليل تقديم أحد الشيئين على الآخر بأمر مشترك بينهما قبيح ، بل أقبح من الترجيح بلا مرجّح.

لا تأمل في ترجيح الاستصحاب السببي

وبالجملة : فأرى المسألة غير محتاجة إلى إتعاب النظر ؛ ولذا لا يتأمّل العامّي بعد إفتائه باستصحاب الطهارة في الماء المشكوك ، في رفع الحدث والخبث به وبيعه وشرائه وترتيب الآثار المسبوقة بالعدم عليه.

هذا كلّه إذا عملنا بالاستصحاب (٢) من باب الأخبار.

لو عملنا بالاستصحاب من باب الظنّ فالحكم أوضح

وأمّا لو عملنا به من باب الظنّ ، فلا ينبغي الارتياب فيما ذكرنا ؛ لأنّ الظنّ بعدم اللازم مع فرض الظنّ بالملزوم محال عقلا. فإذا فرض حصول الظنّ بطهارة الماء عند الشكّ ، فيلزمه عقلا الظنّ بزوال النجاسة عن الثوب. والشكّ في طهارة الماء ونجاسة الثوب وإن كانا في زمان واحد ، إلاّ أنّ الأوّل لمّا كان سببا للثاني ، كان حال الذهن في الثاني تابعا لحاله بالنسبة إلى الأوّل ، فلا بدّ من حصول الظنّ بعدم النجاسة في

__________________

(١) هو المحقّق قدس‌سره ، في المعتبر ١ : ٣٢ ، كما سيأتي في الصفحة اللاحقة.

(٢) في (ر) ، (ص) و (ظ) بدل «بالاستصحاب» : «باستصحاب الطهارة».

المثال ، فاختصّ الاستصحاب المفيد للظنّ بما كان الشكّ فيه غير تابع لشكّ آخر يوجب الظنّ ، فافهم ؛ فإنّه لا يخلو عن دقّة.

ويشهد لما ذكرنا : أنّ العقلاء البانين على الاستصحاب في امور معاشهم ، بل معادهم لا يلتفتون في تلك المقامات إلى هذا الاستصحاب أبدا ، ولو نبّههم أحد لم يعتنوا ، فيعزلون حصّة الغائب من الميراث ، ويصحّحون معاملة وكلائه ، ويؤدّون عنه فطرته إذا كان عيالهم ، إلى غير ذلك من موارد ترتيب الآثار الحادثة على المستصحب.

ظهور الخلاف في المسألة عن جماعة

ثمّ إنّه يظهر الخلاف في المسألة من جماعة ، منهم : الشيخ ، والمحقّق ، والعلاّمة في بعض أقواله ، وجماعة من متأخّري المتأخّرين (١).

فقد ذهب الشيخ في المبسوط إلى عدم وجوب فطرة العبد إذا لم يعلم خبره (٢).

واستحسنه المحقّق في المعتبر (٣) ، مجيبا عن الاستدلال للوجوب بأصالة البقاء ، بأنّها معارضة بأصالة عدم الوجوب ، وعن تنظير وجوب الفطرة عنه بجواز عتقه في الكفّارة ، بالمنع عن الأصل تارة ، والفرق بينهما اخرى.

وقد صرّح في اصول المعتبر (٤) بأنّ استصحاب الطهارة عند الشكّ في الحدث معارض باستصحاب عدم براءة الذمّة بالصلاة بالطهارة

__________________

(١) سيأتي ذكرهم في الصفحة ٤٠٣ ـ ٤٠٤.

(٢) المبسوط ١ : ٢٣٩.

(٣) المعتبر ٢ : ٥٩٨.

(٤) المعتبر ١ : ٣٢.

المستصحبة. وقد عرفت (١) أنّ المنصوص في صحيحة زرارة العمل باستصحاب الطهارة على وجه يظهر منه خلوّه عن المعارض ، وعدم جريان استصحاب الاشتغال.

وحكي عن العلاّمة ـ في بعض كتبه (٢) ـ الحكم بطهارة الماء القليل الواقع فيه صيد مرميّ لم يعلم استناد موته إلى الرمي ، لكنّه اختار في غير واحد من كتبه (٣) الحكم بنجاسة الماء ، وتبعه عليه الشهيدان (٤) وغيرهما (٥). وهو المختار ؛ بناء على ما عرفت تحقيقه (٦) ، وأنّه إذا ثبت بأصالة عدم التذكية موت الصيد جرى عليه جميع أحكام الميتة التي منها انفعال الماء الملاقي له.

نعم ربما قيل (٧) : إنّ تحريم الصيد إن كان لعدم العلم بالتذكية فلا يوجب تنجيس الملاقي ، وإن كان للحكم عليه شرعا بعدمها اتّجه الحكم بالتنجيس.

ومرجع الأوّل إلى كون حرمة الصيد مع الشكّ في التذكية للتعبّد ؛

__________________

(١) راجع الصفحة ٥٨١.

(٢) انظر التحرير : ٦ ، وحكاه عنه في مفتاح الكرامة ١ : ١٣٣.

(٣) انظر قواعد الأحكام ١ : ١٩٠ ، ونهاية الإحكام ١ : ٢٥٦ ، والمنتهى ١ : ١٧٣.

(٤) انظر الذكرى ١ : ١٠٦ ، والبيان : ١٠٣ ، وتمهيد القواعد : ٢٨٩ ـ ٢٩٠.

(٥) مثل فخر الدين في الإيضاح ١ : ٢٥ ، والفاضل الهندي في كشف اللثام ١ : ٣٧٩.

(٦) من تقدّم الاستصحاب في الشكّ السببيّ ، راجع الصفحة ٣٩٤.

(٧) القائل هو المحقّق الثاني في جامع المقاصد ١ : ١٥٦.