درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۹: عقد بیع و آداب آن(۲) معاطات

 

﴿ الفصل الثاني ﴾

﴿ في عقد البيع وآدابه ﴾

﴿ وهو ﴾ أي عقد البيع ﴿ الإيجاب والقبول الدالّان على نقل الملك بعوض معلوم ﴾ وهذا كما هو تعريف للعقد يصلح تعريفاً للبيع نفسه؛ لأنّه عند المصنّف (١) وجماعة (٢) عبارة عن العقد المذكور، استناداً إلى أنّ ذلك هو المتبادر من معناه، فيكون حقيقة فيه. ويمكن أن يكون الضمير عائداً إلى البيع نفسه وأن يكون إضافة البيع بيانيّة. ويؤيّده أنّه في الدروس عرّف البيع بذلك مزيداً قيد التراضي.

وجعل جنس التعريف «الإيجاب والقبول» أولى من جعله «اللفظ الدالّ» كما صنع غيره (٣) لأنّهما جنس قريب و «اللفظ» بعيد. وباقي القيود خاصّة مركّبة، يخرج بها من العقود ما لا نقل فيه كالوديعة والمضاربة والوكالة، وما تضمّن نقل الملك بغير عوض كالهبة والوصيّة بالمال. وشمل ما كان ملكاً للعاقد وغيره،

__________________

(١) الدروس ٣:١٩١.

(٢) منهم المحقّق في المختصر:١١٨، والفاضل المقداد في التنقيح الرائع ٢:٢٤، وابن فهد الحلّي في المهذّب البارع ٢:٣٥٥.

(٣) صنعه المحقّق في الشرائع ٢:١٣.

فدخل بيع الوكيل والوليّ. وخرج بالعوض المعلوم (١) الهبة المشروط فيها مطلق الثواب، وبيع المكره حيث يقع صحيحاً؛ إذ لم يعتبر التراضي ـ وهو وارد على تعريفه في الدروس ـ وبيع الأخرس بالإشارة وشراؤه، فإنّه يصدق به (٢) الإيجاب والقبول. ويرد على تعريف أخذ «اللفظ» جنساً كالشرائع.

وبقي فيه دخول عقد الإجارة؛ إذ الملك يشمل العين والمنفعة، والهبة المشروط فيها عوض معيّن، والصلح المشتمل على نقل الملك بعوض معلوم، فإنّه ليس بيعاً عند المصنّف (٣) والمتأخّرين (٤).

وحيث كان البيع عبارة عن الإيجاب والقبول المذكورين ﴿ فلا يكفي المعاطاة ﴾ وهي إعطاء كلّ واحد من المتبايعين ما يريده من المال عوضاً عمّا يأخذه من الآخر باتّفاقهما على ذلك بغير العقد المخصوص، سواء في ذلك الجليل والحقير على المشهور بين أصحابنا، بل كاد يكون إجماعاً.

﴿ نعم يباح ﴾ بالمعاطاة ﴿ التصرّف ﴾ من كلّ منهما فيما صار إليه من العوض؛ لاستلزام دفع مالكه له على هذا الوجه الإذن في التصرّف فيه.

وهل هي إباحة، أم عقد متزلزل؟ ظاهر العبارة الأوّل؛ لأنّ الإباحة ظاهرة فيها. ولا ينافيه قوله: ﴿ ويجوز الرجوع ﴾ فيها ﴿ مع بقاء العين ﴾ لأنّ ذلك

__________________

(١) لم يرد «المعلوم» في (ش).

(٢) في (ر) عليه.

(٣) كما صرّح به في الدروس ٣:٣٢٧.

(٤) مثل ابن إدريس في السرائر ٢:٦٤، والمحقّق في الشرائع ٢:١٢١، والعلّامة في القواعد ٢:١٧٢، والتحرير ٣:٧، وغيرهما، والفاضل المقداد في التنقيح الرائع ٢:١٩٩، وغيرهم.

لا ينافي الإباحة. وربما ظهر من بعض الأصحاب (١) الثاني؛ لتعبيره بجواز فسخها الدالّ على وقوع أمر يوجبه.

وتظهر الفائدة في النماء، فعلى الثاني هو للقابض متى (٢) تحقّق اللزوم بعده. وعلى الأوّل يحتمله وعدمه.

ويفهم من جواز الرجوع مع بقاء العين عدمه مع ذهابها، وهو كذلك. ويصدق بتلف العينين، وإحداهما، وبعض كلّ واحدةمنهما، ونقلها عن ملكه، وبتغيّرها كطحن الحنطة، فإنّ عين المنتقل غير باقية، مع احتمال العدم. أمّا لبس الثوب مع عدم تغيّره فلا أثر له. وفي صبغه وقصره وتفصيله وخياطته ـ ونحو ذلك من التصرّفات المغيّرة للصفة مع بقاء الحقيقة ـ نظر.

وعلى تقدير الرجوع في العين وقد استعملها من انتقلت إليه يأخذها بغير اُجرة؛ لإذنه في التصرّف مجّاناً. ولو نمت وتلف النماء فلا رجوع به كالأصل، وإلّا فالوجهان.

وهل تصير مع ذهاب العين بيعاً، أو معاوضة خاصة؟ وجهان: من حصرهم المعاوضات وليست أحدها، ومن اتّفاقهم على أنّها ليست بيعاً بالألفاظ الدالّة على التراضي، فكيف تصير بيعاً بالتلف؟

ومقتضى المعاطاة أنّها مفاعلةمن الجانبين، فلو وقعت بقبض أحد العوضين خاصّة مع ضبط الآخر على وجه يرفع الجهالة، ففي لحوق أحكامها نظر، من عدم تحقّقها، وحصول التراضي، وهو اختياره في الدروس (٣) على تقدير دفع

__________________

(١) مثل العلّامة في التحرير ٢:٢٧٥.

(٢) في (ر) : مع.

(٣) الدروس ٣:١٩٢.