درس الروضة البهیة (فقه ۳) (المتاجر - المساقاة)

جلسه ۱۳: بیع فضولی (۲)

 

واحتياج الناس إليه، ونحو ذلك.

﴿ ويشترط في اللزوم الملك ﴾ لكلّ من البائع والمشتري لما ينقله من العوض ﴿ أو إجازة المالك ﴾ فبدونه يقع العقد موقوفاً على إجازة المالك، لا باطلاً من أصله على أشهر القولين (١) ﴿ وهي ﴾ أي الإجازة اللاحقة من المالك ﴿ كاشفة عن صحّة العقد ﴾ من حين وقوعه، لا ناقلة له من حينها؛ لأنّ السبب الناقل للملك هو العقد المشروط بشرائط (٢) وكلّها كانت حاصلة إلّا رضاء المالك، فإذا حصل الشرط عمل السبب التامّ عمله، لعموم الأمر بالوفاء بالعقود (٣) فلو توقّف العقد على أمر آخر لزم أن لا يكون الوفاء بالعقد خاصّة، بل هو مع الأمر (٤) ووجه الثاني (٥) توقّف التأثير عليه، فكان كجزء السبب.

وتظهر الفائدة في النماء، فإن جعلناها كاشفة ﴿ فالنماء ﴾ المنفصل ﴿ المتخلّل ﴾ بين العقد والإجازة الحاصل من المبيع ﴿ للمشتري، ونماء الثمن المعيّن للبائع ﴾ ولو جعلناها ناقلة فهما للمالك المجيز.

ثمّ إن اتّحد العقد فالحكم كما ذكر، وإن ترتّبت العقود على الثمن أو المثمن أو هما وأجاز الجميع صحّ أيضاً. وإن أجاز أحدها، فإن كان المثمن صحّ في

__________________

(١) ذهب إليه المفيد في المقنعة:٦٠٦، والطوسيان في النهاية:٣٨٥، والوسيلة:٢٤٩، والمحقّق في الشرائع ٢:١٤، والعلّامة في المختلف ٥:٥٣، وغيرهم. والقول بالبطلان للشيخ في الخلاف ٣:١٦٨، المسألة ٢٧٥، وابن زهرة في الغنية:٢٠٧ ـ ٢٠٨، وابن إدريس في السرائر ٢:٢٧٤ ـ ٢٧٥.

(٢) في (ف) و (ر) : بشرائطه.

(٣) الوارد في سورة المائدة الآية الاُولى.

(٤) في (ف) و (ر) : الآخر.

(٥) يعني كون الإجازة ناقلة.

المجاز وما بعده من العقود، أو الثمن صحّ وما قبله.

والفرق: أنّ إجازة المبيع توجب انتقاله عن ملك المالك المجيز إلى المشتري فتصحّ العقود المتأخّرة عنه وتبطل السابقة؛ لعدم الإجازة. وإجازة الثمن توجب انتقاله إلى ملك المجيز فتبطل التصرّفات المتأخّرة عنه حيث لم يجزها وتصحّ السابقة؛ لأنّ ملك الثمن المتوسّط يتوقّف على صحّة العقود السابقة، وإلّا لم يمكن تملّك ذلك الثمن.

هذا إذا بيعت الأثمان في جميع العقود، أمّا لو تعلّقت العقود بالثمن الأوّل مراراً كان كالمثمن في صحّة ما اُجيز وما بعده. وهذا القيد وارد على ما أطلقه الجميع (١) في هذه المسألة كما فصّلناه أوّلاً. مثاله: لو باع مال المالك بثوب، ثم باع الثوب بمئة، ثم باعه المشتري بمئتين، ثم باعه مشتريه بثلاثمئة، فأجاز المالك العقد الأخير، فإنّه لا يقتضي إجازة ما سبق، بل لا يصحّ سواه، ولو أجاز الوسط صحّ وما بعده كالمثمن. نعم لو كان قد باع الثوب بكتاب، ثم باع الكتاب بسيف، ثم باع السيف بفرس، فإجازة بيع السيف بالفرس تقتضي إجازة ما سبقه من العقود؛ لأنّه إنّما يملك السيف إذا ملك العوض الذي اشترى به وهو الكتاب، ولا يملك الكتاب إلّا إذا ملك العوض الذي اشترى به وهو الثوب، فهنا يصحّ ما ذكروه.

﴿ ولا يكفي في الإجازة السكوت عند العقد ﴾ مع علمه به ﴿ أو عند عرضها ﴾ أي‌الإجازة ﴿ عليه ﴾ لأنّ السكوت أعمّ من الرضا فلا يدلّ عليه، بل لابدّ من لفظ صريح فيها كالعقد ﴿ ويكفي أجزت ﴾ العقد أو البيع ﴿ أو أنفذت، أو أمضيت، أو رضيت، وشبهه ﴾ كأقررته، وأبقيته، والتزمت به.

__________________

(١) مثل عبارة الإيضاح ١:٤١٨، والدروس ٣:١٩٣.

﴿ فإن لم يجز انتزعه من المشتري ﴾ لأنّه عين ماله ﴿ ولو تصرّف ﴾ المشتري ﴿ فيه بما لَه اُجرة ﴾ كسكنى الدار وركوب الدابّة ﴿ رجع بها عليه ﴾ بل له الرجوع بعوض المنافع وإن لم يستوفها مع وضع يده عليها؛ لأنّه حينئذٍ كالغاصب وإن كان جاهلاً. ﴿ ولو نما كان ﴾ النماء ﴿ لمالكه ﴾ متّصلاً كان أم منفصلاً، باقياً كان أم هالكاً، فيرجع عليه بعوضه وإن كان جاهلاً، وكذا يرجع بعوض المبيع نفسه لو هلك في يده أو بعضه مع تلف بعضه بتفريط وغيره.

والمعتبر في القيمي قيمته يوم التلف إن كان التفاوت بسبب السوق، وبالأعلى إن كان بسبب زيادة عينيّة.

﴿ ويرجع المشتري على البائع بالثمن إن كان باقياً، عالماً كان أو جاهلاً ﴾ لأنّه ماله ولم يحصل منه ما يوجب نقله عن ملكه، فإنّه إنّما دفعه عوضاً عن شيء لم يسلّم له.

﴿ وإن تلف، قيل ﴾ والقائل به الأكثر (١) ـ بل ادّعى عليه في التذكرة الإجماع (٢) ـ : ﴿ لا رجوع ﴾ به ﴿ مع العلم ﴾ بكونه غير مالك ولا وكيل؛ لأنّه سلطّه على إتلافه مع علمه بعدم استحقاقه له، فيكون بمنزلة الإباحة، بل ظاهر كلامهم عدم الرجوع به مطلقاً؛ لما ذكرناه من الوجه ﴿ وهو ﴾ مع بقاء العين في غاية البعد، ومع تلفه ﴿ بعيد مع توقّع الإجازة ﴾ لأنّه حينئذٍ لم يبحه له مطلقاً بل دفعه متوقّعاً لكونه عوضاً عن المبيع فيكون مضموناً له، ولتصرّف البائع فيه تصرّفاً ممنوعاً منه فيكون مضموناً عليه. وأمّا مع بقائه فهو عين مال المشتري، ومع

__________________

(١) منهم العلّامة في القواعد ٢:١٩، وولده في الإيضاح ١:٤٢١، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٤:٧٧.

(٢) التذكرة ١٠:١٨.